تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 676

مساهمون:

ص٦٧٦
ومتّى صحّت عناصر الإيمان في إنسان ما استقامت الأساسيّات الكبرى لديه ، فسلك طريق الخير والحقّ والرّشاد ، واستطاع التّحكّم بأنواع سلوكه ، واستطاع ضبطها فيما يدفع عنه الضّرّ ، والألم والمفسدة ، العاجل من ذلك والآجل ، وفيما يجلب له النّفع واللّذّة والمصلحة كذلك . وقد أدرك الباحثون من غير المسلمين حديثا قيمة العقائد الإيمانيّة ، في توجيه سلوك الإنسان ، فبدؤوا يتحدّثون عنها تحت عنوان : « أيديولوجيّات » ولكنّهم ما استطاعوا أن يصلوا إلى المستوى الّذي وصل إليه الإسلام ، إذ هو يبني في الفرد المسلم إيمانا لا يضارعه ولا يشابهه أيّ عنصر اعتقاديّ يحاولون غرسه في نفس الفرد من أفرادهم ، أو التّابع من أتباعهم . إنّ الدّعوة إلى الإيمان ، وجعلها هي القضيّة الأولى من قضايا الدّين ، هو ما تقتضيه طبيعة بناء الدّين ، وهي طبيعة كلّ دعوة تستدعي سلوكا إراديّا واعيا . إنّها فكرة مدعّمة بالدّليل الحقّ ، فعقيدة إراديّة اختياريّة ، فعاطفة ، فإرادة سلوكيّة ، فسلوك . أمّا السّلوك من غير إرادة فهو إكراه ، ولا إكراه في الدّين ، وأمّا الإرادة من غير عاطفة ملائمة فهي إرادة باردة لا حرارة فيها ولا قوّة ، وأمّا العاطفة من غير عقيدة فهي عاطفة انفعاليّة هوائيّة ، سريعة التّغيّر ، سهلة التقلّب ، وأمّا العقيدة الإراديّة من غير فكرة مدعّمة بالدّليل الحقّ فهي عقيدة خرافيّة لا قيمة لها ، ولا وزن لها . من أجل كلّ ذلك كان الإيمان في البناء الإسلاميّ الصّحيح إنّما يتمّ بعد أن تبلغ الفكرة مستوى الجزم ، بالدّليل الّذي يرتضيه الفكر السّليم ، والمنطق الصّحيح .