إنّنا حين نلاحظ أنواع سلوكنا العاديّ في الحياة ، نجد أنّ إراداتنا تتصرّف بتوجيه من مفاهيمنا الثّابتة في نفوسنا ، وهذه المفاهيم الثابتة تمثّل فينا مجموعة عقائدنا في الحياة .
من هذا ندرك أهميّة مفاهيمنا الثّابتة - وهي مجموعة عقائدنا - في توجيه إراداتنا لأنواع من السّلوك ، نتصوّر أنّها تجلب لنا مصالح أو منافع أو لذّات ، وهذه أمور نحبّها ، أو نتصوّر أنّها تدفع عنّا مفاسد أو مضارّ أو آلاما ، وهذه أمور نكرهها .
والمفاهيم متّى غدت ثابتة راسخة في نفوسنا ، واطمأنّت قلوبنا إليها ، وصارت عواطفنا تتأثّر بها ، كانت عقائد راسخة لدينا ، وهذا المستوى من رسوخ المفاهيم ، مع طمأنينة القلب إليها ، وتأثّر العواطف بها ، هو ما يطلق عليه لفظ « الإيمان » ومشتقّات هذا اللّفظ .
والإيمان في اللّغة هو التّصديق ، والتّصديق القلبيّ الإراديّ الّذي يعترف به ذو الإرادة اعترافا داخليا صادقا يتنامى حتّى تقترن به الطّمأنينة ، ومن التّصديق القلبيّ والطّمأنينة تتولّد العاطفة السامية ، وهذه العاطفة تحرّك الإرادة للسّلوك الملائم المحقّق للمطلوب .
وفي « الإيمان » مع دلالته على التّصديق الإراديّ معنى الأمن ، والأمن متى لامس القلوب اطمأنّت وسكنت ، ولم يكن فيها خوف ولا قلق ولا اضطراب تجاه الجهة الّتي شعرت نحوها بالأمن .
إذن : فالإيمان هو طمأنينة القلب لمفهوم صدّق به تصديقا إراديا ، وأمن من احتمال الخطأ فيه ، وغدا قادرا على تحريك العاطفة بموجبه ، وتوجيه السّلوك على مقتضاه .
وهذا الإيمان هو الرّكن الأساسيّ الّذي بدأ به الإسلام في تكوين شخصيّة المسلم ، نظرا إلى أنّه الجذر الأوّل في بناء شخصيّته ، وأنّه العنصر الأساسيّ المحرّك لعواطفه والموجّه لسلوكه .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 675
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٧٥