ولمعرفة أنّ التّوكّل على اللّه ثمرة من ثمرات الإيمان الصّحيح الصّادق ، وأنّه وظيفة من وظائف القلب وسائر جوانب النّفس ، لدى ممارسة الأعمال طاعة للّه عزّ وجلّ ، لا بدّ أن نحضر في تصوّرنا أنّ اللّه عزّ وجلّ عليم حكيم قدير خلّاق ، بيده مقاليد السّماوات والأرض ، وهو المهيمن على كلّ شيء ، وله الخلق والأمر ، وهو الرّزّاق ذو القوّة المتين ، وهو الّذي بيده الحياة والموت ، والنّفع والضّرّ ، والتّوفيق والنّصر ، وكلّ ما يجري في الكون إنّما يجري بأمره أو بإذنه وتمكينه ، إنّه سبحانه إذا شاء وهب ، وإذا شاء حجب ، وإذا شاء أذن للأسباب فأثّرت آثارها ، أو ألغاها ، أو قطعها ، أو سلب تأثيراتها ، فلم تغن شيئا ، وهو الّذي إذا شاء صرف الموانع أو أقامها ، حكمه هو النّافذ ، فلا معقّب لحكمه ، وقضاؤه هو المنجّز فلا معدّل لقضائه .
كلّ هذا هو من عناصر القاعدة الإيمانيّة ، وهذه العناصر متى كانت حاضرة في تصوّر المؤمن ، جعلته يعلّق قلبه وسائر جوانب نفسه باللّه ، فيطلب كلّ مطالب حياته منه ، وهو يباشر أعماله ، ويتّخذ الأسباب لتحقيقها ، ويتوكّل بقلبه عليه سبحانه ، ويدعوه أن يحقّق له الخير ، لأنّه يؤمن إيمانا جازما راسخا بأنّ اللّه عزّ وجلّ إذا قضى أمرا أو أذن به يسّر أسبابه ، ودفع عنه الموانع ، وحقّق النّتائج المرجوّة ، وإذا لم يكن له في الأمر قضاء أو إذن ، لم ييسّر أسبابه ، ولم يدفع الموانع ، ولم يحقّق النّتائج الّتي يرجوها العاملون من عباده .
فالتّوكّل على اللّه سلوك داخليّ من عمق النّفس فحواشيها ، يقتضيه الإيمان الصّحيح السّليم ، الماثل في ساحة التّصوّر الموجّه للسّلوك .
والتّوكّل على اللّه وظيفة من وظائف القلب وسائر جوانب النّفس لدى المؤمن ، ومن شأنه أن يشحن قوى العمل بالثّبات والصّبر والثّقة ،
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 678
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٧٨