والإيمان في الإسلام هو الاعتراف الإرادي بالحقّ ، النّابع من عمق الفؤاد ، وأعظم الحقائق الّتي كلّف اللّه عباده أن يؤمنوا بها تأسيسا لقاعدة الدّين الأولى ، هي حقيقة وجود اللّه الخالق ، ووحدته في ربوبيّته وإلهيّته ، وصفاته وأسمائه الحسنى ، ومن ذلك حكمته في الخلق ، وأنّه خلق ذوي الإرادات الحرّة ليبلوهم أيّهم أحسن عملا ، وأنّه أعدّ حياة أخرى لإدانتهم ، تأتي بعد هذه الحياة الدّنيا ، وأنّه أرسل رسلا وختمهم بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ليبلّغوا النّاس شريعة اللّه لهم ، إلى سائر أركان الإيمان وتفصيلاتها ، وما يتعلّق بها .
ولذلك كان الإيمان هو القضيّة الأولى من قضايا الإسلام .
ولمّا كان الإيمان هو الأساس الأوّل في بناء الدّين ، وجدنا أنّ أوّل ما بدأت به دعوات الرّسل عليهم الصلاة والسّلام ، تأسيس الإيمان في قلوب من يدعونهم إلى دين اللّه ، ووجدنا سيّدنا محمّدا رسول اللّه وخاتم النبيّين ، قد بدأ أوّل ما بدأ بالدّعوة إلى تصحيح الإيمان ، والاهتمام بتأسيسه ، وبذل غاية الجهد للإقناع بعناصره ، وترسيخ قاعدته ، ووجدنا القرآن الكريم يوجّه أعظم اهتمامه لقضايا الإيمان ، ووجدنا أنّ ما نزل منه في مدّة الدّعوة المكّيّة - وهي المدّة الأولى في الدّعوة المحمّديّة الإسلاميّة - يعالج بالدّرجة الأولى تأسيس قضايا الإيمان بمختلف الوسائل الإقناعيّة ، ويوجّه اهتمامه الأكبر لتصحيح عقائد النّاس بالنّسبة إليها .
إنّ المفاهيم الاعتقاديّة الإيمانيّة ضروريّة لتوجيه كلّ أنواع السّلوك الإنسانيّ ، فمن ليس لديه مفهوم صحيح ثابت عن أمر ما من أمور حياته ، لا يستطيع أن يتّخذ تجاهه قرارا يطمئنّ إليه ، ولا يستطيع أن يوجّه نحوه عاطفة صادقة ، ولا يستطيع أن يرسم لنفسه بالنّسبة إليه سلوكا لا تردّد فيه ولا اضطراب .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 674
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٧٤