تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 679

مساهمون:

ص٦٧٩
ويدفع إلى طاعة اللّه باتّخاذ الأسباب الّتي أمر تبارك وتعالى باتّخاذها ، والقيام بالعمل الّذي ربط به مطالب العباد في حياتهم ، وأمرهم به ، سواء أكانت هذه المطالب من مطالب الآخرة ، أم من مطالب الدّنيا . وليس التّوكّل على اللّه وظيفة من وظائف العمل الجسديّ أو التّدبيريّ أو التّخطيطيّ ، حتّى يكون مثبّطا عن العمل ، أو داعيا إلى التّهاون بمباشرة الأسباب ، والإخلاد إلى الرّاحة ، وترك الأمر تركا كلّيا ، اعتمادا على المقادير الربّانيّة ، فمن المقادير الرّبّانيّة ما هو منوط بأعمال العباد ، فإذا عملوا ما يجب أن يعملوه لما يرجونه ، تحقّقت لهم ثمرات أعمالهم ، وإذا تركوا العمل الواجب الّذي يجب عليهم أن يعملوه ، تحقّقت لهم بالمقادير الرّبّانيّة نتائج كسلهم وتهاونهم خيبة وفشلا وندما ، وإن زعموا أنّهم قد توكّلوا على اللّه . فلا يلومنّ تارك العمل السّببيّ الواجب إلّا نفسه ، ولا يتّهمنّ المقادير بأنّها لم تعطه ما تمنّى ، بعد أن لم يقدّم لتحقيق رغائبه ومطالبه ما جعلته المقادير الرّبّانيّة سببا لها ، في سنن اللّه التّكوينيّة . وفي بيان ارتباط التّوكّل على اللّه بالإيمان ، وبيان أنّه ثمرة من ثمراته في السّلوك الدّاخليّ من عمق القلب حتّى سائر دوائر النّفس ، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الأنفال / 8 مصحف / 88 نزول ) :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
( 2 ) . أي : ما المؤمنون كاملو الإيمان حقّا إلّا الّذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم ، أي : خافت من عقابه ، لأنّهم مؤمنون بعدله ، وبكمال قدرته ، ومؤمنون بعظمته وجلاله ، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ، لأنّها تزيدهم علما ومعرفة بحكمته وعلمه ، وإعجاز قرآنه المنزّل ، فيزيدهم ذلك