وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً
( 57 ) .
فقلوب أهل هذا القسم من النّاس في أكنّة ( أي : مغلّفة بأغطية ) بسبب انصراف كلّ مشاعرهم بإرادتهم لمطالب أجسادهم ونفوسهم من دنياهم ، فهي لا تفقه ما تذكّر به من آيات ربّهم ، وهم لا يسمعون نصحا مهما كان بيّنا واضحا لا يحتاج إلى دليل ، لأنّ الاستماع إلى القول إنّما يكون عند إرادة فهم المراد به ، ومن لا يريد ذلك انصرف سمعه عنه ، فهو لا يسمع إلّا صوتا لا معنى له ، كمن في أذنه وقر ، ( الوقر : ثقل في السّمع حتّى الصّمم ) .
القسم الثاني : قسم يذكّر بآيات ربّه فيسمعها ، ويتفكّر في دلالاتها ، وقد ينتفع بها ، لكن تغلبه بعد ذلك شهواته وأهواء نفسه ، فيعرض عنها .
وهذا القسم من النّاس قسم يصطرع في داخله الفكر والهوى ، والضّمير الرّشيد والشّهوات الجانحات ، ثمّ تكون أهواؤه وشهواته بعد مرحلة صراع قد تطول أو تقصر هي الغالبة ، فتخضع إرادته ، وينتج عن ذلك إعراضه عن آيات ربّه بعد أن تأمّل فيها ، وأدرك من دلالاتها ما يكفيه للاقتناع بالحقّ ، وسلوك سبيل الرّشد .
وقد جاءت الإشارة إلى هذا القسم من النّاس في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( السجدة / 32 مصحف / 75 نزول ) :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ
( 22 ) .
إنّ هذا القسم من النّاس قسم مجرم كالقسم الأوّل ، إلّا أنّ احتمال إصلاحه أرجى من إصلاح القسم اللأوّل ، ولذلك جاء في بيان حال القسم الأوّل قول اللّه عزّ وجلّ :