وهذا ما دعا الزّمخشريّ إلى أن يقول في قوله تعالى :
لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً ،
ليس بنفي للخرور ، إنّما هو إثبات له ، ونفي للصّمم والعمى ، كما يقال : لا يلقاني زيد مسلّما ، هو نفي للسّلام ، لا للّقاء ، والمعنى : أنّهم إذا ذكّروا بها أكبّوا عليها حرصا على استماعها ، وأقبلوا على المذكّر بها ، وهم في إكبابهم عليه سامعون بآذان واعية ، مبصرون بعيون راعية ، لا كالّذين يذكّرون بها فتراهم مكبّين عليها ، مقبلين على من يذكّرهم بها ، مظهرين الحرص الشّديد على استماعها ، وهم كالصّمّ والعميان ، حيث لا يفهمونها ، ولا يبصرون ما فيها ، كالمنافقين .
وهذا الّذي نبّه عليه الزّمخشريّ ، ونقله عنه الرّازي صحيح وسديد بدليل الآية التّي في « السجدة » .
أقسام الناس عند تذكيرهم بآيات ربّهم :
لدى ملاحظة أحوال النّاس عند تذكيرهم بآيات ربّهم المتلوّة أو المنظورة في كلّ ما خلق اللّه من شيء ، يتبيّن لنا أنّهم ينقسمون إلى أقسام ستّة :
القسم الأول : قسم يذكّر بآيات ربّه فيعرض عنها مباشرة ، دون أن يعطيها من نفسه عاطفة ولا فكرا ، ولا سمعا ولا بصرا .
إنّه قد أقام في داخل نفسه ابتداء ما يصدّها عن كلّ خير وهداية ونصح ، فهو لا يتقبّل ما يهديه إلى الحقّ ، أو يخفّف من غلواء تعلّقه بالدّنيا وزينتها ، وشهواتها وملذّاتها والتّفاخر بها والتّكاثر منها .
وهذا القسم من النّاس بينه وبين هداية ربّه حجاب غليظ ، من أهوائه ، وشهواته ، وكبر نفسه ، واستغراقه في الحياة الدّنيا ، وقد جاءت الإشارة إلى هذا القسم من النّاس في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الكهف / 18 مصحف / 69 نزول ) .