وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 ) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 ) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 17 ) .
أي : ما يؤمن بآيات اللّه إيمانا كاملا ذا أثر في السّلوك إلّا الّذين إذا ذكّروا بها خضعوا لها ، وأعلنوا عن خضوعهم النّفسيّ والقلبيّ لها ، بأن يخرّوا سجّدا للّه ، متذكّرين مسبحين بحمده ، سامعين لما في متلوّها ، ومتدبّرين له ، ومتفكّرين في مشهودها ومدركين لدلالاته وإشاراته ، وفي تدبّرهم وتفكّرهم يستبصرون أوامر اللّه ووصاياه ونصائحه وهدايته ، ويستبصرون المنهج الّذي ترشدهم إليه وتدلّهم عليه .
ونلاحظ من روائع البيان القرآني البديع في النّصّين الّذي في ( الفرقان ) والّذي في ( السجدة ) ما يلي :
* أنّ الّذي في ( الفرقان ) قد نفى عن « عباد الرّحمن » صفة الخرور الشّكليّ الّذي لا يرافقه حضور فكري وقلبيّ لدى تذكيرهم بآيات ربّهم ، وهذا المنفيّ عنهم هو من صفات أهل الغفلة والمرائين والمنافقين .
وأنّ الّذي في ( السجدة ) قد حصر كمال الإيمان في الّذين إذا ذكّروا بآيات اللّه خرّوا سجّدا وسبّحوا بحمد ربّهم ، غير مستكبرين ، فأثبت الخرور ، والسّجود ، والتّسبيح بحمد اللّه ، لذوي الإيمان الكامل بآيات اللّه ، وهذه صفات أهل الحضور الفكريّ والقلبيّ لدى تذكيرهم بآيات اللّه .
ومن الجمع بين النصين نفهم بيقين ووضوح تامّ أنّ من صفات « عباد الرّحمن » أنّهم إذا ذكّروا بآيات اللّه خرّوا سجّدا وسبّحوا بحمد ربّهم غير مستكبرين ، مع حضور قلبي وفكريّ في تدبّر آيات اللّه المسموعة ، والتّفكّر في آيات اللّه المشهودة ، ولم يخرّوا غافلين ولا مرائين ولا منافقين صمّا عن آيات اللّه المتلوّة ، وعميا عن آيات اللّه المشهودة .