وأنبّه على أنّ الإعراض عن اللّغو ( أي : إعطاءه جانب العارض الّذي هو وسط بين الإدبار والإقبال ) والمرور به مرّ الكرام ( أي : دون إقامة وملازمة ) هو من درجات مرتبة الأبرار ، ومرتبة المحسنين ، لأنّ اللّغو الّذي لا معصية للّه فيه لا يخدش حقوق مرتبة المتّقين ، فقد يقع منهم ، لكنّه لا يتلاءم مع مرتبة الأبرار ، فضلا عن مرتبة المحسنين ، ومن هاتين المرتبتين فريق عباد الرّحمن ، فاللّغو لا يقع منهم إلّا لماما وبخفّة وسرعة .
واهتماما بتربية المؤمن المسلم حتّى يرتقي فيكون من عباد الرّحمن ( من الأبرار فالمحسنين ) وصف اللّه عزّ وجلّ المؤمنين المفلحين بأنّهم عن اللّغو معرضون ، فقال تعالى في سورة ( المؤمنون / 23 مصحف / 74 نزول ) :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( 1 ) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ( 2 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ( 3 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ( 4 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 5 ) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 6 ) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ( 7 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ ( 8 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 9 ) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ( 10 ) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( 11 ) .
فأثبت اللّه عزّ وجلّ في هذا النّصّ الفلاح وهو الظّفر بما يطمح الإنسان العاقل الرشيد إليه ، وأبان أنّه ميراث الفردوس يوم الدّين ، وهو أوسط الجنّة وأعلاها ، لمن استجمع عدّة صفات ، منها ما هو من حقوق درجات مرتبة التّقوى كأداء الزّكاة ، وحفظ الفروج ، ومنها ما هو من درجات مرتبة الأبرار ، فدرجات مرتبة المحسنين ، وهما صفتان : الخشوع في الصّلاة ، والإعراض عن اللّغو .
ولمّا ارتقوا فوق سقف مرتبة المتّقين ، استحقّوا أن يرثوا درجات في أعلى الجنّة ، حيث الفردوس .