تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 649

مساهمون:

ص٦٤٩
ذلك الشّيء حقّا في واقع أمره ، ولذلك قال اللّه عزّ وجلّ بشأن المنافقين في سورة ( المنافقون / 63 مصحف / 104 نزول ) خطابا لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم :
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
( 1 ) . فأبان أنّهم كاذبون في شهادتهم ، مع أنّ ما قالوه حقّ وصدق ، لأنّهم زعموا أنّهم مؤمنون بما قالوا وهم في الحقيقة كاذبون منافقون ، لا يؤمنون بأنّ محمّدا رسول اللّه ، فالكذب في ادّعاء مطابقة الاعتقاد للقول ، لا في مطابقة القول للواقع ، إذ القول مطابق للحقّ والواقع . فقول اللّه عزّ وجلّ في وصف « عباد الرّحمن » :
وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ
ينبغي أن يحمل على المعنيين معا ، عملا بقاعدة « استعمال الكلام في أكثر من معنى معا » إذا لم يكن بين المعاني تضادّ « 1 » . أمّا المعنى الأوّل وهو عدم حضورهم الباطل ، فظاهر العبارة يدلّ عليه دون حاجة إلى تخريج نحوي ، يقال : « شهد الزّور » إذا حضره ، « ولا يشهد الزّور » أي : لا يحضره . وأمّا المعنى الآخر ، وهو أنّهم لا يشهدون بالباطل والكذب ، فالعبارة تدلّ عليه على تقدير أنّ لفظ « الزّور » منصوب بنزع الخافض ، أو منصوب على أنّه نائب عن المفعول المطلق المحذوف ، أي : لا يشهدون الشّهادة الزّور ، فالمفعول المطلق هنا مبيّن للنّوع . كيف يشهد « عباد الرّحمن » شهادة الزّور ، وهي في حياة النّاس نوع خطير من الكذب ، شديد القبح ، سيّء الأثر ؟ ! إنّ الأصل في الشّهادة أن تكون سندا لجانب الحقّ ، ومعينة للقضاء
هامش
( 1 ) انظر القاعدة ( 28 ) من كتاب « قواعد التدبر الأمثل لكتاب اللّه عزّ وجلّ » للمؤلف .