فدلّت هذه الآية على حصر افتراء الكذب في الّذين لا يؤمنون ، وأقبح أنواع الكذب افتراء الكذب على اللّه ، وشهادة الزّور .
وأبان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ المؤمن لا يكون كذّابا ، فقد روى الإمام مالك في الموطّأ ، عن صفوان بن سليم ، أنّه قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أيكون المؤمن جبانا ؟ . قال : « نعم » فقيل له : أيكون المؤمن بخيلا ؟ قال : « نعم » فقيل : أيكون المؤمن كذّابا ؟ قال : « لا » .
فدلّ هذا الحديث على أنّ المؤمن لا يكون كذّابا ، أي : لا يصل إلى مستوى تحرّي الكذب ، حتّى يدمغ بأنّه كذّاب ، خلقه الكذب .
وقد علّمنا أنّ شهادة الزّور من أقبح صور الكذب ، فهي لا تصدر عن آحاد المؤمنين بحسب العادة ، فضلا عن أن تصدر عن أحد من زمرة عباد الرّحمن .
وفي التّحذير من شهادة الزّور ، روى البخاريّ ومسلم عن أبي بكرة ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
« ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر ؟ » قلنا : بلى يا رسول اللّه ، قال : « الإشراك باللّه ، وعقوق الوالدين » وكان متّكئا فجلس فقال : « ألا وقول الزّور ، وشهادة الزّور » فما زال يكرّرها حتّى قلنا : ليته سكت .
وروى أبو داود وابن ماجة ، عن خريم بن فاتك ، قال : صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلاة الصّبح ، فلمّا انصرف قام قائما فقال :
« عدلت شهادة الزّور بالإشراك باللّه ، عدلت شهادة الزّور بالإشراك باللّه ، عدلت شهادة الزّور بالإشراك باللّه » .
ثم قرأقول اللّه تعالى في سورة ( الحجّ / 22 مصحف / 103 نزول ) :
. . . فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( 30 ) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ . . .
( 31 ) .