تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 644

مساهمون:

ص٦٤٤
نفهم أنّ مضاعفة العذاب في هذا النّصّ خاصّ بعباد الرّحمن الّذين ارتقوا فوق مرتبة المتّقين ، وصاروا من أهل مرتبة الأبرار ، أو من أهل مرتبة المحسنين ، وأفاض اللّه عليهم من نعمة البصيرة ما أفاض ، وعرفوا من الدّين أكثر ممّا عرف عامّة المؤمنين ، وصاروا في نظر العامّة قدوة وأسوة حسنة . فكان جزاء كبائرهم المساوي لها مضاعفا بقدر مثلين لمن هم دونهم في المرتبة ، في مقابل أنّ أجورهم على صالحات أعمالهم مضاعفة أيضا . ونظير هذا ما جاء في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الأحزاب / 33 مصحف / 90 نزول ) خطابا لنساء النبيّ :
يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 30 ) * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً
( 31 ) . ومن هذا يظهر لنا أنّ زيادة الغرم قد جاءت في مقابل زيادة الغنم ، وهو من العدل . فمن وصل إلى مرتبة عباد الرّحمن كان سقوطه في كبيرة الشّرك ، أو القتل ، أو الزّنى ، ذا حجم مضاعف عمّا لو سقط بها واحد من عامّة المؤمنين ، فالعقاب بالعدل ينبغي أن يكون بقدر هذا الحجم المضاعف . وهذا العذاب المضاعف يكون يوم القيامة إذا مات مرتكب هذه الكبائر الّذي ارتقى إلى مرتبة عباد الرّحمن ، دون توبة صحيحة صادقة ممّا سقط فيه ، فهو بشركه كأنّما خرّ من السّماء فهوت به الرّيح في مكان سحيق ، ويجرّه شركه إلى القتل بغير حقّ ، وارتكاب فاحشة الزّنى بفجور . لذلك كان من العدل أن يخلد في عذابه المضاعف مهانا .
وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً :
أمّا خلوده في العذاب فبسبب موته وهو مشرك
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 644 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني