حتّى الكاتب والشّاعر يجد كلّ منهما في ساعات اللّيل ولا سيما الثّلث الأخير منه أفضل الأوقات لتوارد أفضل الأفكار وأحسنها ، وأفضل الكلم وأقومه .
و « عباد الرّحمن » إذ يبيتون لربّهم سجّدا وقياما ، يتذوّقون معاني التّوحيد الكامل للّه عزّ وجلّ ، فهم يسجدون ويقومون للّه وحده ، لا شريك له ، بدلالة تقديم [ لربّهم ] على [ سجّدا وقياما ] كما سبق بيانه .
وقد جاء في الآية تقديم السّجود على القيام مع أنّ التّرتيب في الصّلاة مبنيّ على تقديم القيام على الرّكوع والسّجود ، لأنّ العبد يكون أقرب ما يكون من ربّه وهو ساجد ، ولأنّ عباد الرّحمن يكثرون من السّجود ويطيلون فيه ، ليستمتعوا بحالات القرب من اللّه تعالى ، ولأنّ السّجود تعبير مادّيّ جسديّ عن كمال الخضوع والطّاعة للّه تعالى في ذات أنفسهم ، وفي أعماق قلوبهم ، وما دام سجودهم هذا في لياليهم وخلواتهم مع بارئهم الرّحمن ، فهو سجود صادق التّعبير ، صادق الدّلالة على معنى خضوعهم القلبيّ والنّفسي للّه تعالى .
ومن المعلوم أنّ قيام اللّيل على الوجه الّذي سبق بيانه هو من صفات الأبرار والمحسنين ، الّذين ارتقوا فوق سقف درجات مرتبة المتّقين .
* * *
قول اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً ( 65 ) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً
( 66 ) .
من صفات عباد الرحمن أنّهم يدعون ربّهم آناء اللّيل والنّهار ما تعاقبت عليهم الأيام بأن يصرف عنهم عذاب جهنّم .