تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 619

مساهمون:

ص٦١٩
وقياما ، أو هم يبيتون سجّدا وقياما لربّهم ، وعلى هذا الفهم فقد قدّم المعمول على العامل للحصر ، والمعنى أنّهم لا يسجدون ولا يقومون لغيره ، لأنّهم موحّدون لا يشركون بعبادة ربّهم أحدا . ومعلوم أنّ صلاة العابد خاليا بربّه في جوف اللّيل أقرب إلى الصّدق والإخلاص للّه ، والبعد عن الرّياء والسّمعة . إنّ ساعات خلوة « عباد الرّحمن » في ظلمات اللّيل ، مشغولة بالتّوجّه لله ، يعبدونه ، لا يشركون بعبادته أحدا ، لأنّهم يعلمون ما في العبادة للّه عزّ وجلّ في ظلمات اللّيل ، بعيدا عن كلّ رياء ورغبة في سمعة أو مغانم ، من سعادة لقلوبهم ، وطمأنينة لنفوسهم ، وتنوير لبصائرهم ، وشحن لقواهم المعنويّة ، بطاقات روحيّة عظيمة ، لا يظفرون بها إلّا بالعبادة المخلصة للّه عزّ وجلّ ، وبالصّلة الرّوحيّة الّتي تكون لهم حينما يقفون بين يدي اللّه ، ويوجّهون وجوههم له ، يصلّون قائمين وراكعين وساجدين ، يذكرونه ، ويناجونه ، ويتلون آياته آناء اللّيل . إنّ « عباد الرّحمن » يعلمون ذلك بإرشاد كتاب اللّه ، وإرشاد سنّة رسوله ، وبالممارسة الّتي يذوقون بها حلاوة الإيمان ، وحلاوة العبادة ، وحلاوة الصّلة باللّه ، وحلاوة الأنس به ، وحلاوة انفتاح البصيرة لإدراك معارف لا ينالها إلّا من نوّر اللّه بصائرهم ، وفتح مغاليق قلوبهم وأفكارهم ، وأمدّهم بعطاء من عنده ، وأدناهم إليه بالقرب والمحبّة . إنّ « عباد الرّحمن » الّذين تشرّفوا بوسام العبوديّة للّه مستظلّين بظلّ رحمة اللّه عزّ وجلّ ، وبظلّ اسم اللّه « الرّحمن » يبيتون في لياليهم ما تجدّدت ، لربّهم وحده ، سجّدا وقياما ، فهذّ الوصف ملازم لهم غالبا كلّما باتوا ، ودخل عليهم اللّيل ، وخلوا بأنفسهم لربّهم . ( دلّ على هذا فعل « يبيتون » لأنّه فعل مضارع يدلّ على التجدّد والتّكرار ) .