تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 620

مساهمون:

ص٦٢٠
ويتحقّق في « عباد الرحمن » هذا الوصف بأن يقوموا متهجّدين بعض اللّيل ، ولا يشترط أن يقوموا اللّيل كلّه ، فالرّسول الأعظم وهو سيّد عباد الرحمن وإمامهم الأعظم ، لم يكلّفه اللّه أن يقوم كلّ اللّيل ، فقد أنزل عليه في أوائل ما أنزل من قرآن قوله عزّ وجلّ في سورة ( المزّمّل / 73 مصحف / 3 نزول ) :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ( 3 ) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ( 4 ) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ( 5 ) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا
( 6 ) . فناشئة اللّيل - وهي ساعاته وآناؤه - هي أثبت للقيام بطاعة اللّه وعبادته ، وهي أبعد عن القلق والتّذبذب في اتّجاه الرّياء والسّمعة وأهواء النّفس ، وطلب الدّنيا من النّاس بمظاهر العبادة ، وهي أقوم قيلا ، أي : أصحّ قولا ومناجاة للّه عزّ وجلّ ، بسبب صفاء الذّهن ، وسكون النّفس ، وهدوء الجوّ من الأصوات ، فهي أكثر تحقيقا للخلوة باللّه ، ومناجاته بالذّكر والدّعاء وتلاوة القرآن . ومن المجرّب أنّ الفكر الصّافي ، والجوّ السّاكن ، والنّفس الهادئة المطمئنّة ، شروط تهيّىء أفضل الأوقات لأن يقول الإنسان قولا قويما ، فإذا كان في مجال البحث العلميّ قال أقوم الكلم المتضمّن للعلم الصّحيح أو الأقرب إلى الصّحّة ، وإذا كان في مجال الدّعاء دعا بأقوم القول المتضمّن أكرم المطالب وأحسنها ، وطلب سعادتي الدّنيا والآخرة ، وإذا كان في مجال الذّكر ذكر اللّه عزّ وجلّ بأقوم القول المتضمّن توحيد اللّه والتّسبيح بحمده ، والثناء عليه بالمحامد العظيمة الّتي تليق بجلاله ، وإذا كان في مجال مناجاة اللّه ناجى اللّه بأقوم القول في المناجاة ، فتلا آيات اللّه بترتيل ، وتدبّر .