تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 618

مساهمون:

ص٦١٨
يسجدون سجودا اختياريّا لأمر اللّه التّكليفي ، وهؤلاء قد حقّ عليهم العذاب ، ومع هذا العذاب لهم عقابا على استكبارهم عن السجود الاختياريّ لبارئهم ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يهينهم يوم الدّين
وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ .
هذا في السّجود العامّ بمعنى غاية الخضوع لأمر اللّه التكويني ، وأمر اللّه التّكليفيّ . أمّا السّجود في عبادة الصّلاة ، فله صفة خاصّة معروفة ، توضع فيه الجبهة والكفّان والرّكبتان ومقدّم القدمين على الأرض . وهذا السّجود الجسديّ يتضمّن تعبيرا مادّيّا جسميّا عن غاية الخضوع الإراديّ للّه عزّ وجلّ في عبادته . وقياما : قياما : جمع « قائم » ويجمع أيضا على قوّم ، وقيّم وقوّام ، وقيّام . وفي تقديم
لِرَبِّهِمْ
على
سُجَّداً وَقِياماً
حصر وقصر ، أي : يسجدون ويقومون للّه وحده . والمعنى : أنّ من صفات عباد الرّحمن أنّهم يتفرّغون في لياليهم لعبادة ربّهم ، يتهجّدون بكثرة السّجود للّه وحده ، وكثرة القيام للّه وحده ، ذاكرين اللّه عزّ وجلّ ، بألسنتهم ، وقلوبهم ، وأفكارهم ، يمجّدونه ، ويحمدونه ، ويسبّحون بحمده ، ويقدّسون له ، ويسألونه خوفا وطمعا ، يخشون عذابه ، ويرجون ثوابه . إنّهم عبّاد لربّهم وحده ، لا يشركون بعبادته أحدا ، وهم في غاية الخضوع له بصدق وإخلاص ، إذا دخل عليهم اللّيل انتهزوا فرصته للخلوة بربّهم ، فباتوا سجّدا له وقياما له وحده ، ولم يبيتوا لأهوائهم وشهواتهم . إنّهم يجعلون ليلهم لربّهم ، أي : لعبادة ربّهم ، حالة كونهم سجّدا