قول اللّه تعالى :
. . . وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً
( 63 ) .
خاطبهم : أي : جعل يراجع معهم الكلام ، يقال لغة : خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا ، إذا تراجعا الكلام بينهما في خطب ما ، أي : في أمر ما ، أو شأن ما ، فالخطب هو الأمر والشّأن والحال أيّا كان ، سواء أكان كبيرا أم صغيرا . فالمخاطبة مراجعة الكلام .
الجاهلون : المراد بهم هنا الّذين لا عقل لهم يمسكهم عن السّفه والغضب ، وإطلاق الشّتائم والألفاظ القبيحة ، الأمر الّذي قد يجرّ إلى التّقاتل ، ومنه مقالة العربيّ الجاهلي :
ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا
إنّ هذا التّعليم الجاهليّ الّذي يحضّ أفراد القبيلة أو العشيرة على مقابلة الشّتائم وقبائح الأقوال والانفعالات الغضبيّة الّتي لا يضبطها عقل إراديّ حازم ، بأشدّ منها ، وينذر الآخرين بأنّ أحدا منهم إذا قابلهم بسفاهة ردّوا عليه بأقبح منها ، قد جاء الإسلام بإلغائه ، وشرع للمسلمين تعليما آخر ، ينبع من منابع الأخلاق الإيمانيّة ، الّتي منها الحلم ، وعدم مقابلة الجهالة بمثلها ، وإعلان أنّ المجتمع الإسلاميّ مجتمع سلام ، مجتمع آمن ، لامكان فيه للجاهلين وأهل الغضب ، أن يثيروا الفتن الدّاخليّة ، ويبذروا بزور العداوات والخصومات ، ولامكان فيه للسّفهاء الّذين يتعرّضون لكرامات المسلمين بالإهانة .
فعباد الرحمن إذا خاطبهم الجاهلون بجهالة وسفه ، مستثيرين غضبهم قالوا لهم : سلاما ، فيفارقون بإعلان السّلام مجلس الجاهلين .
والسّلام يشمل سلامة العرض والجسم والمال ، وكلّ ما يهمّ الإنسان سلامته .