ولمّا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قمّة عباد الرّحمن جميعا ، كان أكثر النّاس حلما ، وكان لا يزيده جهل الجاهلين إلّا حلما .
فمن روائع حلم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ أعرابيّا جاء إليه يطلب منه عطاء ، فأعطاه الرسول ، ثمّ قال له :
« أحسنت إليك ؟ » .
قال الأعرابيّ : لا ، ولا أجملت . ( استقلّ العطاء ) فغضب المسلمون وقاموا إليه ، وقد همّوا أن يؤدّبوه بالعنف ، فأشار إليهم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن كفّوا . ثمّ قام ودخل منزله ، فأرسل إليه ، وزاده شيئا ، ثمّ قال له :
« أحسنت إليك ؟ » .
قال : نعم ، فجزاك اللّه من أهل وعشيرة خيرا . فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم :
« إنّك قلت ما قلت آنفا ، وفي نفس أصحابي من ذلك شيء ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ ، حتّى يذهب ما في صدورهم عنك » .
قال : نعم ، فلمّا كان الغد جاء ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم :
« إنّ هذا الأعرابيّ قال ما قال فزدناه ، فزعم أنّه رضي ، أكذلك ؟ » .
قال : نعم ، فجزاك اللّه من أهل وعشيرة خيرا .
فقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه :
« مثلي ومثل هذا ، كمثل رجل له ناقة شردت عليه ، فأتبعها النّاس ، فلم يزيدوها إلّا نفورا ، فناداهم صاحبها ، فقال لهم : خلّوا بيني وبين ناقتي ، فإنّي أرفق بها منكم وأعلم ، فتوجّه لها بين يديها ، فأخذ من قمام الأرض ، فردّها ، حتّى جاءت واستناخت ، وشدّ عليها رحلها ، واستوى عليها ، وإنّي لو تركتكم حيث قال الرّجل ما قال فقلتموه دخل النّار » .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 615
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦١٥