إنّهم يقطعون على الجاهلين طريق الفتنة والشّرّ ، ويطفئون الشّرارة الأولى الّتي لو قوبلت بمثلها لكانت نارا متأجّجة ، قد تجرّ إلى قتال كبير ، وشرّ مستطير .
إنّ عباد الرحمن بدافع من إيمانهم وحسن إسلامهم ، إذا خاطبهم الجاهلون بجهالة تثير الغضب ملكوا أنفسهم ببطولة الحلم ، وبطولة الحلم هذه هي البطولة حقّا .
إنّ البطولة في مقاييس مكارم الأخلاق ليست بقوّة الجسم ، والقدرة على الغلب في المصارعة ، وهذا ما أوضحه الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ببيانه البديع .
روى مسلم عن عبد اللّه بن مسعود ، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« ما تعدّون الصّرعة فيكم ؟ » .
فقالوا : الّذي لا تصرعه الرّجال .
فقال : « ولكنّه الّذي يملك نفسه عند الغضب » .
إنّ العرب يطلقون على بطل المصارعة الّذي يصارع النّاس فيغلبهم كلمة « صرعة » ويكبّرون أمره ، ويعظّمون شأنه ، فاستغلّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم إعجاب النّاس به ، وتقديرهم له ، ثمّ حوّلهم عنه إلى البطل الحقيقيّ وهو الّذي يملك نفسه عند الغضب ، وذلك لأنّ ملك النّفس عند الغضب بطولة إنسانيّة فعلا ، تعتمد على العقل وقوّة الإرادة .
أمّا بطولة المصارعة فهي امتياز جسديّ يعتمد على قوّة العضلات ، والأعصاب ، والتّدريب الجسديّ ، والحيلة .
وهذه الصّفة الّتي هي من صفات عباد الرّحمن مع سائر صفاتهم ترشّح من تحلّى بها أن يكون إماما للمتّقين ، لأنّه بها قد ارتقى إلى مرتبة الأبرار وربّما قد ارتقى أيضا إلى مرتبة المحسنين .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 614
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦١٤