بنفسك أيّها المستكبر المتبختر ، إلى أين أنت ذاهب بنفسك متطاولا ؟ إلى جهة الأرض فتضربها بقدميك ، أو إلى جهة السّماء فتنطحها برأسك ، هوّن عليك ، إنّك لن تستطيع أن تخرق الأرض مهما تبخترت عليها ، إنّك إن تحدّيتها هشّمت جسمك وحطّمته ، ثمّ إنّك مهما تطاولت بجسمك إلى الأعلى فلن تبلغ الجبال طولا .
إنّ الجبال مهما علت بأجسامها عن مستوى الأرض فهي أقلّ قيمة من الإنسان الّذي فضّله اللّه بالصّفات الّتي منحه إيّاها ، وهي من درجات صفات الكمال ، فلا تحاول أن تكسب المجد بالانتفاخ الجسديّ والتّعاظم ، أو بالتّبختر والخيلاء والاستكبار على خلق اللّه .
إنّ المجد الإنسانيّ لا يكون بطول الأجسام ولا بعرضها ، ولا بتبخترها وضربها الأرض بأقدامها حين مشيها .
يا لهذا من تبكيت بديع ورائع للمستكبرين !
وعباد الرّحمن لا يسرعون إسراعا يدلّ على الخفّة والطّيش ، ولا يبطّئون تبطيئا يدلّ على الكسل والخمول والتّماوت ، بل يمشون هونا بهمّة وعزم ورجولة وفتوّة ، ويعملون بوصيّة لقمان لابنه في قوله له كما أخبرنا اللّه عزّ وجلّ بقوله في سورة ( لقمان / 31 مصحف / 57 نزول ) :
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ . . .
( 19 ) .
القصد : هو الاعتدال في الأمر دون إفراط ولا تفريط .
والنّاشئ الّذي يمشي على الأرض هونا تدلّ بدايته على أنّه مرشّح لأن يكون مستقبلا من عباد الرحمن ، إذا كان مؤمنا متّقيا متأسّيا بالأبرار والمحسنين .