ولا يسعون في الأرض فسادا ، أو طلبا للعلوّ في الأرض ، والاستئثار بحظوظها الفانية ، كما يفعل طلّاب الدّنيا ، من الفاسقين والفاجرين والطّغاة والمتكبّرين وعبّاد الشّهوات والأهواء .
إنّ عباد الرّحمن متواضعون للّه ، هيّنون لينون ، لا جبّارون ولا مستكبرون .
لقد سمعوا نهي اللّه عزّ وجلّ عن مشية المرح ( أي : البطر والكبر ) في قوله تعالى في سورة ( الإسراء / 17 مصحف / 50 نزول ) :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا
( 37 ) .
فأطاعوا ، تحقيقا لعبوديّتهم للرحمن ، وعلموا أنّ الغاية من هذا النّهي أن لا يكونوا مستكبرين متعاظمين على عباد اللّه ، فوطّنوا أنفسهم لأن يجتنبوا كلّ مظهر من المظاهر الدّالّة على الكبر والعجب بالنفس .
وأدركوا أنّ مشية الخيلاء يبغضها اللّه ، فهم يجتنبونها ، على أنّ خلقهم يلجمهم عن أن يكونوا مستكبرين على عباد اللّه .
لقد كشف اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية من سورة ( الإسراء ) للمستكبر الّذي يتبختر ويمشي على الأرض مرحا واقع حاله الصّغير ، فأبان له أنّه حين يضرب الأرض برجله ، ويتطاول مستعليا بقامته على النّاس ، فإنّه لن يستطيع أن يخرق الأرض ، فهي أصلب منه ، ولن يستطيع أن يبلغ الجبال طولا ، فهي أعظم وأطول جسما منه .
وفي هذا إمعان إيمائيّ بتحقير المستكبر ، قائلا له : إنّ الأرض الّتي تمشي عليها أصلب من قوّتك ، وإنّ الصّخور الجامدة المكدّسة جبالا أطول من قامتك مهما تطاولت بها ، فلا تظنّنّ أنّ شدّة وطئك على الأرض ، وأنّ تطاولك بجسمك يمنحانك عظما حقيقيّا ، وقائلا له : مهلا