تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
وأبديّها ، ولا تحتاج حياته إلى شيء يمدّها ، كحاجة حيوات الكائنات المخلوقة . فالرسل والمؤمنون باللّه يتوكّلون على اللّه الحيّ الّذي لا يموت . أمّا المشركون وسائر الكافرين ، فهم يتوكّلون على أموات غير أحياء ، أو أحياء لا يستجيبون لهم بشيء ، فإن كانوا جنّا زادوهم رهقا ، أو يتوكّلون على أسباب غير حيّة ، وهذه إنّما تعطي عطاءاتها بقضاء اللّه وقدره ضمن أنظمتها العامّة القدريّة ، وهي مسخّرة لمن أحسن استخدامها من مفاتيحها ، توكّل بقلبه عليها أم لم يتوكّل ، فلا تزيد من توكّل عليها شيئا ، لكنّ توكّله عليها يخدش إيمانه بالرّبّ الخالق .
وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ :
أصل السّبح في اللّغة الحركة السّهلة الّتي يحصل بها الانتقال في الماء أو في الهواء برفق ولين ، ومنه سبح السّمك في الماء ، وسبح الكواكب والنّجوم في مسيراتها في أفلاكها ، وكذلك حركة اللّيل والنّهار الدّائرة في فلكها سبحا ، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الأنبياء / 21 مصحف / 73 نزول ) :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
( 33 ) . ولمّا كانت حركة الخيول عند جريها تشبه بخفّتها على الأرض حركة السّبح في الهواء ، سمّى العرب جريها سبحا ، وقالوا عن الفرس الّذي يجري : « سابح » و « سبوح » . والتّسبيح للّه ذكر يتضمّن معنى تنزيه اللّه عمّا لا يليق بجلاله ، مع الحركة اللّسانيّة والفكريّة التّلقائيّة الّتي تشبه حركة السّابح في الهواء أو في الماء . وقد خلق اللّه الأشياء والأحياء وفطر ما كان مجبورا منها على أن يكون مسبّحا للّه دواما ، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الحشر / 59 مصحف / 101 نزول ) :