قول اللّه عزّ وجلّ :
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً
( 55 ) .
بعد التّنبيه على بعض ظواهر الخلق الدّالّة على الرّبّ الخالق للكون كلّه ، بما فيه من دقائق وعجائب ومتقنات ، والدّالّة على وحّدانيّته في ربوبيّته ، التي يلزم عنها عقلا وحدانيّته في إلهيّته ، أبان اللّه عزّ وجلّ واقع حال المشركين ، القائم على عبادة الآلهة الّتي اتّخذوها من دون اللّه ، كما جاء في الآية ( 3 ) من السّورة ، والمعنى أنّهم اصطنعوها آلهة من دون اللّه ، مع أنّها تخلق ولا تخلق ولا تملك لأنفسها ضرّا ولا نفعا ، ولا تملك موتا ولا حياة ولا نشورا ، ثمّ عبدوها من دون اللّه ، مع أنّها لا تنفعهم ولا تضرّهم ، فتكامل النّصّان في الدّلالة المراد بيانها ، وبينهما بيانات كاشفات بالأدلّة بطلان هذا الذي اختاره المشركون الكافرون لأنفسهم .
إنّه واقع يستدّعي عجب المتعجّبين ، واستنكار المستنكرين ، فظواهر الخلق في الكون ، وتصاريف أحداثه ، تورث اقتناع مختلف مستويات النّاس في أفكارهم ومفاهيمهم ، بأنّ الرّبّ الخالق واحد ، وبما أنّ الأمر كذلك فإنّه يجب أن يكون هو الإله الواحد ، فكيف يعبد المشركون من دون اللّه ما لا ينفعهم ولا يضرّهم .
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ :
أي : ويعبد الكافرون المشركون آلهة اتّخذوها لأنفسهم ، هي من دون اللّه الرّبّ الخالق .
ودلّ الفعل المضارع :
وَيَعْبُدُونَ
على أنّ هذه العبادة منهم لآلهتهم مستمرّة متكرّرة تتجدّد دواما على الرغمّ من كلّ البيانات الإقناعيّة الّتي وجّهت لهم قبل نزول سورة ( الفرقان ) بأنّها لا تصلح لأن تكون آلهة تعبد أصلا .