* وعلى أنّ « ظهيرا » بمعنى : « شديد قويّ الظّهر لا يطاوع ولا يلين » يمكن أن نفهم أنّ الكافر صلب معاند لبيانات ربّه الإقناعيّة والتّرغيبيّة والتّرهيبيّة وسائر الوسائل التّربويّة ، فلا يلين لشيء منها ، ولا يطاوع ، مع أنّ ربّه قد تلطّف به فصرّف له آيات القرآن تصريفا مختلف الأنواع والصّور ، ليستجيب للحقّ ، ويسلك سبيل الهدى ، وينقذ نفسه من استحقاق العقاب ، فلم يفعل .
وتكون الجملة على هذا بمعنى : وكان الكافر معاندا قاسيا صلبا قويّ الظهر ، مستعليا على بيانات ربّه غير مطاوع لها ، ولا ليّن تجاهها .
وتقديم المعمول على عامله في عبارة
عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً
يفيد نوعا من الحصر ، وهذا يدلّ على أنّه بالنّسبة إلى غير بيانات ربّه كوساوس الشّياطين ، وتضليلات المضلّين الّذين يؤثّرون عليه عن طريق شهواته وأهوائه هو ضعيف لا قوّة له ، ولا مقاومة عنده ، إذ إنّهم يؤثّرون عليه بأضعف الوساوس والتّسويلات .
ونظير هذا نقول بالنّسبة إلى المعنى الأوّل ، فهو معين للشّيطان على ربّه ، ولا يعين على نصرة الحقّ والخير والهدى الّتي يعين على نصرتها المؤمنون ابتغاء مرضاة اللّه .
ويمكن حمل كلمة « ظهير » في الآية على المعنيين معا ، وقد تأكّد لنا أنّ حمل اللّفظ على المعاني التي يدلّ عليها دون تعارض في النّصوص القرآنيّة ممّا ينبغي أن يكون إحدى القواعد الّتي يعتمد عليها المتدبّر لكتاب اللّه عزّ وجلّ « 1 » .
* * *
هامش
( 1 ) انظر القاعدة ( 28 ) حول استعمال الكلام في أكثر من معنى من كتاب « قواعد التدبّر الأمثل لكتاب اللّه عزّ وجلّ » للمؤلف .