تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
أسرتان من المجتمع ، فتحصل مصاهرة بينهما ، تلتحم بها وشائج صلة ذات قوة ، ولو لم تكن بينهما قرابة ملحوظة في شجرة القرابة البشريّة ، نظرا إلى بعدها ، وعدم قدرة الناس على تصوّر خيوطها التي ضعفت بالبعد . فالقرابات النسبيّة كلّما ابتعدت ضعفت خيوط التّرابط بينها ، حتّى تكون في تصوّر الناس كالمنعدمة ، ولا يبقى في أذهان النّاس منها إلّا العلم العامّ بالتقائهم في الجدّ الأعلى .
وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً :
أي : وربّك قدير دواما من الأزل إلى الأبد ، في الكينونة الدائمة ، ذو قدرة بالغة مستواها الأقصى . إنّ هذه الجملة تتحدّث عن قضيّة من قضايا صفات الرّبّ عزّ وجلّ بوجه عامّ ، وقد جاء ذكرها عقب بيان أنّه تبارك وتعالى خلق من الماء بشرا ، فجعله بعد آدم وحوّاء ينقسم إلى قسمي النّسب والصّهر ، للإلماح إلى أنّ نظام تناسل الأحياء عن طريق التّزاوج الّذي ينجم عنه علاقات رحم نسبيّة ، وعلاقات مصاهرة ، هو من عجائب التدّبير الحكيم في الخلق ، الّذي لا يتمّ إلّا بقدرة ربّ قدير ، عليم حكيم يفعل ما يشاء ويختار ، ولا سيما إذا لاحظنا عجائب الخلق الرّبّانيّ المحكم المتقن في تكوين النّطف في الذّكور ، والبييضات في الإناث ، وكيف يتمّ التّواصل والاندماج بينها ، ثمّ التّنامي ، حتّى ينشأ المخلوق الجديد الابن أو الابنة للزوجين . فمن درس ذلك ، وأحسن التفكّر ، لم يجد وسيلة يعبّر بها عن مشاعره إلّا أن يؤمن بالرّب الخالق ويحمده ، ويسجد له ، ويتقرّب إليه بمراضيه . * * *