أولا :
إنّ آية سورة ( الفرقان ) قد أثبتت للّه عزّ وجلّ الخلق والتّدبير ، في ظاهرة من ظاهرات آياته في الماء ، إذ تحدّثت عن الماء العذب الحلو ، والماء الملح الأجاج .
إنّهما في الأرض بحران عظيمان ، خلقهما اللّه عزّ وجلّ لمنافع الحياة والناس ، وكلّ منهما ينبغي لتحقيق المنفعة منه حسب النظام العامّ للكون ، أن يظلّ على وصفه في النسبة المزيجيّة التي جعله اللّه عليها .
ومعلوم أنّ الماء الحلو فيه عناصر مخلوطة ممزوجة ، قد مرجها اللّه عزّ وجلّ ، أي : خلطها وفق حكمته بنسب صالحة لحياة النّاس والنّبات ، وأرسلها في الأرض ، فاندفعت تؤدّي وظائفها . وأنّ الماء الملح الأجاج فيه عناصر إضافية مخلوطة وممزوجة فيه ، قد مرجها اللّه عزّ وجلّ ، أي :
خلطها وأرسلها في الأرض ، فاندفعت تؤدّي وظائفها المقدّرة لها .
وإيجازا في التّعبير استخدم في القرآن كلمة « مرج » للدلالة على معنى « خلط » العناصر ، حتى تتكوّن ماء حلوا ، أو ماء ملحا أجاجا ، وعلى معنى « أرسل » هذا الماء بوصفيه العذب الفرات والملح الأجاج ، لما في الماء من سيولة قابلة للتّدافع المتلاحق . كأنّ مرسلا أرسله ليؤدّي وظائفه التي أرسل من أجلها .
ودلّت هذه الآية أيضا على العناية الرّبّانيّة التي حفّت هذين البحرين حتّى لا يمتزجا ، فتذهب خصائص الماء العذب الفرات ، التي بها حياة الحيوان والنّبات ، ومصالح أخرى كثيرة للنّاس والحياة ، وذلك بأنّ جعل اللّه عزّ وجلّ بين البحرين حاجزا ، إذ جعل تكوين الأرض في أوضاعها صالحة لاحتواء الماء العذب الفرات في تجاويفها ومساربها ، ولإجرائه في السّهول والوديان ، وإخراجه من العيون ، وبذلك أقام الحواجز والفواصل الّتي تفصل بين البحرين ، حتّى لا ينتهي أمرهما إلى الامتزاج
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 560
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٥٦٠