رابعا :
وأخيرا نزل نصّ سورة ( الرّحمن ) في أواسط المرحلة المدنيّة ، وفيه حديث عن البحرين اللّذين يلتقيان ، ومع التقائهما يوجد بينهما برزخ فاصل ، فهو مانع لهما من التّمازج ، لكنّه لم يوصف بأنّه محجور ، أيّ :
ممنوع من أن يختلط هو بهما ، إذ ليس هو ممّا يظنّ فيه قابليّة الانحلال والاختلاط . ومع التقاء هذين البحرين أيضا يظلّ كلّ واحد منهما عند حدّه ، فلا يبغي أحدهما ، على الآخر ، فيغيّر من خصائصه ، ومن نسبة العناصر المختلطة فيه .
وقد وصف في هذا النّصّ هذان البحران بأنّهما يخرج منهما اللّؤلؤ والمرجان ، إشارة إلى أنّ كلّا منهما ملح أجاج ، إذ من المعروف أنّ اللّؤلؤ والمرجان يستخرجان عادة من البحر الملح الأجاج .
وتحيّر المفسّرون في فهم المراد بهذه الآية .
* هل المراد بالبحرين بحر الماء العذب الفرات ، والملح الأجاج ، وذلك في ظاهرة دخول مياه الأنهر في مياه البحار ، ونحو ذلك ، إذ يستمرّ الماء العذب الفرات على صفاته مسافة طويلة قبل أن يمتزج بماء البحر ؟ .
وأخذ الباحثون من علماء العلوم الإنسانية يفسّرون هذه الظاهرة بما يسمّى بقانون « المطّ السّطحي » الذي يفصل بين السائلين ، لأنّ تجاذب الجزيئات يختلف من سائل إلى آخر ، ولهذا يحتفظ كلّ سائل باستقلاله في مجاله .
* أم المراد شيء آخر غير ذلك ؟
ثم جاءت الكشوف العلميّة المعاصرة ، فأثبتت أنّ في البحار الموصوفة بأنّها ملح أجاج ظاهرة البحرين اللّذين يلتقيان ، وبينهما برزخ ، أي : فاصل ، وهما لا يبغيان ، أي : لا يبغي كلّ واحد منهما على جاره ، ويخرج منهما اللّؤلؤ والمرجان .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 563
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٥٦٣