الأمثال ، واستثارة محاور الرّغب والرّهب في النفوس ، من تدبّر السّور الإحدى والأربعين التّي نزلت قبل سورة ( الفرقان ) ومن تتبّع ما جاء فيها ، ممّا يتعلّق بذلك ، لكشف كلّ خفاء ، وتجليه كلّ غامض ، ودفع كلّ شبهة ، وبيان وجوه حكمة اللّه في كلّ ما اعترض عليه أهل الكفر ، حول الرّسول ، والقرآن ، وحول الاصطفاء بالنّبوّة والرّسالة ، وطريقة إعلام اللّه عباده عن طريق رسله من البشر .
* * *
قول اللّه عزّ وجلّ :
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً
( 51 ) .
إذا استرجعنا ما سبق أن تدبّرناه من هذه السّورة فإنّنا نلاحظ أنّها اشتملت على معالجة طائفة من أقوال كبراء كفّار أهل مكّة وأعمالهم وتحليلها ومناقشتها ، وبيان وجه الحقّ والحكمة الربّانية حول القضايا الّتي أثاروها في أقوالهم ، ومن هذه الأقوال ما صرّحت به السّورة ، ومنها ما لم تصرّح به . وإنّما فهمناه من مضمون المعالجة ، وكذلك بعض أعمالهم جاء التّعقيب عليها دون التصريح بها ، وقد فهمناها من مضمون التعقيب ، مثل قول اللّه عزّ وجلّ فيها :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً
( 31 ) .
ويدلّ هنا قول اللّه عزّ وجلّ :
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً
( 51 ) على أنّ الذين أصرّوا على الكفر من كبراء أهل مكّة قد اعترضوا على قضية عموم رسالة الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم للعالمين جميعا ، الّتي جاء بيانها في الآية الأولى من السورة ، والّتي اشتملت على عناصر موضوعها :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
( 1 ) .
لكنّ عبارة اعتراضهم مطويّة لم تذكر في السّورة ، بيد أنّ الذّهن اللّمّاح يستدلّ على الاعتراض من إيراد الجواب .