تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
وفحوى الاعتراض أنّ الّذين كفروا قالوا : ما هذه الّدعوى العريضة الواسعة التي يدّعي فيها محمّد أنّه رسول اللّه للنّاس أجمعين عربهم وعجمهم ، وفيهم إمبراطوريّات الرّوم وفارس والحبشة ، أما كان يكفيه أن يكون رسول الحجاز ، أو رسول العرب ؟ ! . فقال اللّه عزّ وجلّ دون أن يذكر اعتراضهم :
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً
( 51 ) . ويدلّ هذا الجواب مقترنا بإدراك صفات اللّه الربّ العليم الحكيم على أنّ حكمة اللّه قضت أن يختم رسالاته للنّاس أجمعين برسالة خاتمة بعث بها محمّدا ، ولذلك جعله رسولا نذيرا للعالمين . إنّ إرسال رسول واحد للنّاس أجمعين أحد الاحتمالات الممكنة بالنسبة إلى إرادة اللّه وقدرته بوجّه عامّ ، وهو الاحتمال الّذي اقتضته حكمته بعد أن بعث في أمم الأرض رسلا كثيرين في القرون الخوالي ، ووصل المجتمع البشريّ إلى مرحلة تاريخيّة تؤهّله لجمعه على رسول واحد ، وكتاب واحد ، برسالة عامّة شاملة ، مستوفية كلّ العناصر المطلوبة في الدّين للنّاس أجمعين . ولو شاء اللّه أن يبعث رسلا متعدّدين في القارّات لبعث كما حصل فيما مضى ، حتّى لو شاء أنّ يبعث في كلّ قرية رسولا مبلّغا دين اللّه للناس وداعيا إلى سبيل ربّه ، ومبشرا ونذيرا ، لفعل جلّ جلاله وعظم سلطانه . لكنّه لم يبعث ، لأنه لم يشأ ، فدلّ هذا الاختيار الرّبّاني على أنّ ما لم يشأه سبحانه قد تركه لأنّ ضدّه الّذي شاءه هو الأحكم من كلّ ما سواه ، والأكثر تأدية لأغراض امتحان البشر ، بعد أنّ وصل النّاس إلى هذه المرحلة التّاريخيّة الّتي نمت فيها العلاقات والمواصلات ، وبدأت تتقارب