تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
ويستوفي هذا التصريف كلّ الاحتمالات الّتي يرجى نفعها ولو لبعض الأفراد أو الجماعات ، لقطع أعذار المكلّفين ، حتّى لا تكون لهم حجّة بين يدي ربّهم . ولمّا كان النّاس مخيّرين في أصل تكوينهم لامتحانهم فيما يختارون لأنفسهم في الحياة الدنيا من طاعة أو عصيان لبارئهم ، لم يكن هذا التّصريف في القرآن مؤثّرا فيهم تأثيرا جبريّا ، ولو أنّهم كانوا مجبورين لكانوا جميعا مؤمنين . والّذي يظهر لي من خطوط موضوع سورة ( الفرقان ) أنّ ضمير النّصب في « صرّفناه » من قوله تعالى :
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ ،
يعود على القرآن . وقال تعالى :
بَيْنَهُمْ ،
ولم يقل : لهم ، للإشارة إلى اختلاف طبائع الناس ، ومستويات أفكارهم وأفهامهم واستعداداتهم ، حتّى تتلاءم الأنواع التصريفية للقرآن مع أنواع البشر في طبائعهم واختلاف مستوياتهم . والمعنى : أنّ ما سبق من تنزيل قرآنيّ قبل إنزال سورة ( الفرقان ) قد صرّف اللّه فيه الحجج والبراهين والإقناعات ووسائل الترغيب والترهيب لإقناعهم بالحقّ .
لِيَذَّكَّرُوا :
وفي القراءة الأخرى [ ليذكروا ] ، أي : ليضعوا البيانات الربّانية بعد أن يتبلّغوها ويفهموا دلالاتها في ذاكراتهم ، فمنهم من يوجّه عناية شديدة ليتذكّرها حتّى يعمل بوصاياها ، ومنهم من يذكرها أحيانا على مقدار تقواه إن كان من أهل الإيمان والتقوى ، وآخرون يكفرون بها فلا يدخلونها في مسجّلات ذاكراتهم ابتداء ، ولو تبلّغوها وفهموا دلالاتها .
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً :
المراد من أكثر النّاس هنا كفّار مكّة ومن تأثّر بهم ، وهم الّذين اشتكى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من اتّخاذهم القرآن
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 547 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني