بينهم المسافات ، وهم جميعا من أصل واحد ، أبوهم آدم ، وأمّهم حوّاء ، والأصل أنّ يكونوا أمّة واحدة لا أمما متفرّقة ، وإنّ اختلفت لغاتهم وتباعدت مساكنهم ، وقد كان بعث رسل وأنبياء متعدّدين لهم أمرا اقتضته ظروف مراحل تاريخيّة مضت .
لكنّ هذه الظروف قد اختلفت ، واقتربت المجتمعات البشريّة من مرحلة تشابك عالميّ ، فاقتضت الحكمة الرّبّانيّة جمعهم على رسالة واحدة ، ورسول واحد ، وكتاب واحد ، وهذه الرّسالة لها شريعة واحدة ومنهاج واحد مراعى فيهما كمال الدين الّذي اصطفاه اللّه للنّاس أجمعين .
لقد دلّت الآية بمنطوقها ومفهومها ولوازمها الفكريّة على كلّ هذا ، وتنكشف لنا هذه المفاهيم واللّوازم بالعرض التالي :
قوله اللّه تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً
( 51 ) ، أي :
ما شئنا فما بعثنا .
س : لماذا لم تحدث هذه المشيئة ؟ .
ج : لأنّ الحكمة المقترنة بالعلم المحيط بكلّ شيء جعلت المشيئة تختار ما هو الأحكم والأصلح ؟
س : ما هو الأحكم والأصلح ؟ .
ج : هو إرسال رسول واحد للنّاس أجمعين ، خاتم للرسل ، برسالة خاتمة ، بعد أن وصلت البشريّة في تناميها الاجتماعي ، وتناميها العددي ، وتقارب المسافات بين شعوبها ، إلى عتبة تشابك عالميّ .
وهذا هو الّذي تمّت به المشيئة الربّانيّة ، وتمّ تنفيذه ، بإرسال محمّد بن عبد اللّه نذيرا للعالمين ، وأنزال عليه الفرقان .
* * *