فتكرار مثل هذا الاستعمال في القرآن يدلّ على أنّ « فعيلا » بمعنى « فاعل » قد يعامل معاملة « فعيل » بمعنى « مفعول » ، وأنّ كلا الوجهين فيه جائزان ، فيجوز فيه الإفراد مع التذكير ، وتجوز فيه المطابقة ، ونستغني بهذا عن التأويلات ، واللّه أعلم .
* * *
قول اللّه عزّ وجلّ :
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً
( 50 ) .
صَرَّفْناهُ :
التّصريف هو التنويع والتغيير واتّخاذ مختلف الوجوه الممكنة للوصول إلى الغاية ، أو لمعالجة الأمر الذي يراد التأثير فيه بأحسن الوسائل والأسباب ، ومن أحسن الطّرق ، ويراد الاحتيال عليه بمختلف الحيل ، وهذا في أفعال العباد .
أمّا تصريف اللّه الرياح والمياه ونحو ذلك فيكون بتغيير حركاتها لتؤدّي وظائفها في الكون على مراد اللّه في كلّ حركة ، وفي كلّ صورة تغيير ، إذ إنّ أفعال اللّه منضبطة بحكمة لا تجريب فيها ، وتؤدّي وظائفها على أحسن وجه . وأكمله ، وما يبدو من تنويع الأساليب ولو مع مخاطب بعينه فالغرض منه إقامة الحّجة عليه .
وأمّا تصريف القرآن فيكون بتنويع أساليب الحجج والبراهين والإقناعات ، وبتنويع أساليب التّرغيب والتّرهيب والتّربية ، بحسب اختلاف طبائع النّاس ، ومستويات أساليب التّرغيب والتّرهيب والتّربية ، بحسب اختلاف طبائع النّاس ، ومستويات قدرات الفهم لديهم ، وبحسب ما لدى أصنافهم من استعدادات للاستجابة ، وقدرة على مخالفة الأهواء والشّهوات ، ومخالفة المعتاد المألوف من الباطل أو الشّرّ ، أو ما فيه ضرّ أو أذى .