أقوال : والمادّة تدور حول معنى الأنس ، وهو ضدّ الوحشة ، يقال :
أنس واستأنس وتأنّس .
ويلاحظ في البيان ذكر إحياء الأرض بالنّبات قبل ذكر الأنعام ، وذكر الأنعام قبل ذكر الأناسيّ ، ولا يخفى ما في هذا من مراعاة للتّرتيب الطّبيعيّ في الواقع وفي الخلق ، فالماء ينبت النّباتات ، والأنعام تأكل من النباتات وتشرب من الماء ، والأناسيّ يأكلون من الّزرع ومن الأنعام ، ويشربون من ألبان الأنعام ويشربون من الماء ، فجاء في البيان امتنان اللّه على النّاس بالماء الذي ينبت لهم به النّبات ، فيقيت ويسقي لهم الأنعام ، ويقيتهم من النبات والأنعام ويسقيهم ، فما جاء في النصّ هو التّرتيب المناسب تماما .
يضاف إلى هذا أنّ مرحلة تكوين إنبات النّبات في الأرض كانت سابقة لتكوين الأنعام ، وأنّ مرحلة تكوين الأنعام والأحياء الأخرى كانت سابقة لتكوين الإنسان ، فجاء البيان ملائما لهذا الواقع أيضا .
كثيرا : يقال لغة : كثر الشّيء يكثر كثرة وكثارة فهو كثير ، وكثّر اللّه الشّيء جعله كثيرا .
ويلاحظ أنّه جاء وصف
أَنْعاماً وَأَناسِيَّ
في النّصّ بالمفرد المذكّر « كثيرا » فما السبب ؟ .
قالوا : لفظ « كثير » معناه معنى الجمع ، إذ الكثرة المستفادة من مادّة الكلمة دلّت على المعنى الذي يدلّ عليه الجمع ، فأغنى المفرد فيه عن الجمع .
أقول : يضاف إلى هذا ما سبق ذكره عند قوله تعالى :
وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً .
[ من الآية : 38 ] من أنّ صيغة « فعيل » ولو كانت بمعنى « فاعل » قد تعامل معاملة صيغة « فعيل » بمعنى « مفعول » فيستوى فيها المذكر