ونستطيع أن ندرك أنّ هذه الحالة المقارنة أو السّابقة هي أمر التّكوين بإنزال المطر ، وأمر التّكوين هذا أثر من آثار صفة رحمة اللّه عزّ وجلّ بعباده ، وهذه الصّفة هي من صفات ذاته عزّ وجلّ .
فالتعبير بالرّحمة هو من إطلاق اسم السّبب على المسبّب ، أو نقول :
هو من إطلاق الصّفة على بعض آثارها وما ينجم عنها ، وهو أمر التكوين الّذي تتمّ به نعمة من نعم اللّه على عباده .
فما هو المظهر المادّيّ للأمر التكوينّي الّذي صدر بمقتضى صفة الرّحمة الّتي جاءت الرياح مبشّرة به ، وناشرة الرّسالة الرّبّانيّة المعلمة به ؟
لقد جاء الجواب في قول اللّه عزّ وجلّ :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً
( 48 ) .
عطفت هذه الجملة بالواو للدلالة على أنّ إنزال الماء من السماء هو شيء آخر غير الذي أطلق عليه لفظ ( رحمته ) وهذا هو الّذي ينبّه المتدبّر على أنّ المراد ( برحمته ) هو أمر التّكوين الّذي يكون عقبه مباشرة المأمور ، كما قال تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 82 ) .
ويلاحظ أنّه جاء في النصّ التفات من ضمير الغائب في قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ ،
إلى ضمير المتكلّم العظيم في قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ،
والغرض ، التنويع الجماليّ في الأداء البيانيّ ، والمواجهة بالامتنان على العباد بإنزال الماء الطّهور الّذي هو المادّة العظمى من موادّ أرزاقهم الّتي جعل اللّه بها بقاء حياتهم ، وربط بها كثيرا من منافعهم في دنياهم .
مِنَ السَّماءِ :
أي : من السحاب ، فالسّماء في اللّغة هي كلّ ما علا فأظلّ ، وقد أثبتت المشاهدة أنّ الأمطار تنزل من السّحب ، وهي تتكون في