يدلّ ذوي الحسّ والفكر ، على أنّ الغيث من رحمة اللّه قادم بعد هبوبها ، وهذا من عناية اللّه بعباده .
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ :
أي : سابقا ومتقدّما ما ستأتي به رحمة اللّه بعباده ، من غيث أو غيره ، ممّا جعل اللّه عزّ وجلّ الرّياح سببا فيه ، كحمل غبار اللّقاح من ذكور النباتات إلى إناثها ، لإنضاج الثمار .
ومن الملاحظ أنّه يراد بإطلاق عبارة :
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
وأشباهها في القرآن ما أتى سابقا ، فكلّ ما بين يدي الإنسان أو الشيء ، هو ما كان سابقا له فيما مضى ، بالنّسبة إلى القضايا الزمنية ، أمّا ما هو خلف الإنسان أو الشيء في الزمنيات فهو المستقبل وكلّ ما فيه .
وقد ورد في القرآن المجيد استعمال مثل : [ مّن بين يديه ومن خلفه - بين يدي رحمته - له معقّبت مّن بين يديه ومن خلفه يحفظونه - خلت النّذر من بين يديه - يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم - نورهم يسعى بين أيديهم ] .
ومن استقراء وسبر معاني هذه العبارات القرآنيّة ونظائرها ، وتتبّع دلالاتها ، ظهر لي أنّ ما بين يدي المتحدّث عنه ، أو المتحدّث له ، وأنّ ما خلفه على وجهين :
الوجه الأول : أن يكون زمانيّا .
الوجه الثاني : أن يكون مكانيّا .
( 1 ) فإذا كان زمانيّا ، فما بين يدي المخلوق المخاطب بالكلام هو الماضي ، لأنّه هو المرئيّ الذي سبق أن كان مشهودا له ، أو لمثله ، فهو الذي بين يديه ، نظرا إلى أنّ مركبة حياته في زمانه تسير به وظهره إلى مقدمتها ، إذا المستقبل غيب بالنّسبة إليه ، ووجهه وصدره وبصره وكلّ حواسه متوجّهة لمؤخّرتها ، يرى ويدرك ما تستطيع حواسّه أن تدركه ، ممّا