ثالثا : أنّ أكثر من اتّخذ إلهه هواه مطيعا له في أموره ومتّبعا له ، هم محجوبون عن استماع بيانات الحقّ والخير والهداية ، وعن إدراك العظات والعبر ، وعن التّفكّر فيها وتعقّلها ، وهم أيضا لا يستطيعون ضبط نفوسهم عن اتّباع أهوائها ، بسبب أنّ حوّاسّهم وعقولهم مسخّرة لهذه الأهواء .
رابعا : أنّ الّذين عطّلوا أسماعهم وأبصارهم وعقولهم عن إدراك الحقّ ، وعن النّظر إلى المستقبل البعيد ، بسبب كونهم عبيد أهوائهم المرتبطة بزينة الحياة الدّنيا ، قد نزلوا عن إنسانيّتهم الّتي خلقت في أحسن تقويم ، إلى مستوى المخلوقات التي لا تعرف غير شهواتها ومطالب غرائزها ، فهم كالأنعام ظاهرا ، وأضلّ من الأنعام حقيقة ، لأنّ الأنعام تتصرّف بغرائزها على وفق فطرها ، بخلاف هؤلاء الضّالّين ، فإنّ اللّه قد وهبهم ما جعلهم به في أحسن تقويم ، فعطّلوا ما وهبهم اللّه ، ولم يستعملوه فيما خلق من أجله ، فكانوا بذلك أضلّ من الأنعام سبيلا .
كلّ هذه المعاني نستطيع استنباطها من قول اللّه عزّ وجلّ :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ( 43 ) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
( 44 ) .
وبهذا انتهى تدبر الدرس السابع من دروس السورة على ما فتح اللّه به وأعان ويسّر .
* * *
( 13 ) التدبّر التحليلي للدّرس الثامن من دروس السّورة وهو الآيات من ( 45 - 58 )
قال اللّه عزّ وجلّ :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ