الحكمة الثالثة : متابعة جدليّات الّذين كفروا فيما يقدّمونه من أمثلة يصطنعونها بآرائهم ويقترحونها ، ويرون أنّها هي الصّور الأفضل ، الّتي ينبغي أن يكون عليها حال الرّسول ، أو حال القرآن ، أو حال أحكام شريعة اللّه ومنهاجه .
فبهذه المتابعة يبيّن اللّه عزّ وجلّ في النصّ اللّاحق وجه الحقّ ، إذا كان ما قدّمه الكافرون باطلا ، ويبيّن تفسير وجه الحكمة من الطريقة الرّبانيّة المختارة ، إذا كان ما قدّمه الكافرون إحدى الصّور الممكنة غير المرفوضة عقلا رفضا كلّيّا ، إلّا أنّ الاختيار الرّبّاني قد كان هو الأفضل والأحسن والأحكم .
كلّ هذه المعاني نستطيع استنباطها من قول اللّه تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
( 33 ) .
( 5 ) وكتم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في نفسه ما يزعجه من استضعاف قومه المعنيّين في النصّ له وللّذين آمنوا به واتّبعوه ، واحتقارهم وازدرائهم لقوّتهم ، وتصوّرهم أنّ محمّدا لو كان رسولا للّه حقّا ، لأمدّه بالقوة الغالبة ، ولاتّخذ له مخارج وسبلا تحميه وتحمي الذين آمنوا به ممّا يتعرّضون له من اضطهاد وإذلال وتعذيب ، أو لسلب أعداءه من قومه قوّتهم وعزّتهم وسلطانهم .
فجاء البيان القرآنيّ متضمّنا علاج هذا الّذي كتمه الرّسول في نفسه ، وفيه طمأنة قلب الرّسول والمؤمنين ، وتهديد الذين كفروا بالعاقبة الوخيمة المعجّلة في الدّنيا ، كما حصل لفرعون وجنوده ، ولقوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرسّ وغيرهم وقوم لوط .