وفيه أيضا بيان واقع حال الّذين كفروا يوم الدّين ، وبيان أنّ العاقبة الحسنة ستكون للرسول وللّذين آمنوا معه في الدّنيا ، حين ينصره اللّه على أعدائه ، كما نصر اللّه رسله السّابقين .
ولم يذكر اللّه بالعبارة الصّريحة ما يعدّه الكافرون من وسائل لقمع الرّسول والمؤمنين ، ليعلّمنا بهذا وجوب كتمان ما نعلمه من استعدادات أعدائنا ضدّنا مع اتّخاذ وسائل وأسباب دفعها والتغلّب عليها .
كلّ هذه المعاني نستطيع استنباطها من قول اللّه عزّ وجلّ :
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( 34 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ( 35 ) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً ( 36 ) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 37 ) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً ( 38 ) وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً ( 39 ) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً
( 40 ) .
( 6 ) بعد ذلك ذكر اللّه عزّ وجلّ بالعبارة الصّريحة ما يجاهر به الّذين كفروا من اتّخاذ الرّسول هزؤا ، إذ لم يؤيّده ربّه ولم ينصره حتّى هذا التّاريخ ، متّخذين ذلك ذريعة للتّشكيك في كون محمّد رسول ربّه حقّا ، بمعنى أنّه لو كان رسولا حقّا لما تركه ربّه هو ومن آمن به في حالة ضعف وذلّة يتحمّلون الاضطهاد والأذى والتّعذيب حتّى هذا التّاريخ ، من بدء الدّعوة حتّى نزول سورة ( الفرقان ) .
واسترجع الذين كفروا في مقالهم قوّة بيان الرّسول ، وما كان يقدّمه لهم من حجج وبراهين ، حتّى كاد أن يضلّهم بها - بحسب زعمهم - وكاد أن يصرفهم بها عن آلهتهم ، لولا أن نفّذوا ما كانوا قد تواصوا به من الصّبر على الاستمساك بآلهتهم وعبادتها .