فمن اختار الإيمان وسلوك صراط اللّه المستقيم أحبّ ذلك ، واستخدم ما سخّر اللّه للنّاس في كونه بالجعل التكوينيّ العامّ من أسباب ، في نصرة الكفر ، ونصرة ما يقتضيه الكفر ، وفي سلوك سبل الضّلالة والغواية ، وفي معاداة الرّسول والمؤمنين ، ومحاربتهم لقمعهم ، ومعاداة كلّ حقّ وخير وهدى ، ممّا يصطدم مع أهوائه ، وانخرط بذلك في سلك المجرمين .
فمثل ذلك الّذي وجدته من قومك يا محمّد جعلنا بمقتضى السّنن التّكوينيّة لكلّ نبيّ أعداء من المجرمين ، الّذين تدفعهم رغبات أنفسهم لارتكاب الآثام الكبرى الّتي تجعل مرتكبيها من المجرمين .
وبما أنّ هذه الظّاهرة هي إحدى اللّوازم التّكوينيّة لحكمتي التّخيير والتّسخير ، وهما موضوعان للنّاس جميعا في حياة الامتحان ، لمن آمن ، ولمن كفر ، فعليك يا محمّد وعلى جميع المؤمنين ، أن تستفيدوا من قوانين تسخير المسخّرات للنّاس ، فتتّخذوا الوسائل والأسباب المضادّة لوسائل وأسباب أعدائكم ، فتدفعوا بوسائلكم وأسبابكم شرور أعدائكم عنكم ، وتنصروا الحقّ والخير والهداية ، وتنصروا الضّعفاء من المؤمنين .
وإذا قلتم : إنّكم الآن في موقف المستضعف المستذلّ ، ولا تجدون بحسب استطاعاتكم الحاليّة ما يهديكم إلى السّبل التي تستطيعون عن طريقها إعداد الوسائل والأسباب المضادّة لوسائل وأسباب أعدائكم ، فإنّ عليكم أن تبدؤوا بالعمل وتجمعوا ما يتيسّر لكم وتستعينوا باللّه ، فإذا وجّهتم أفكاركم وطاقاتكم لهذا الأمر ، فإنّ اللّه سيكون هاديا يهديكم مع كلّ خطوة تخطونها ، حتّى تصلوا إلى إعداد وتهيئة الوسائل والأسباب المكافئة المضادّة لوسائل وأسباب أعدائكم .
ثمّ إذا اضطررتم لمواجهة أعدائكم بقواكم المادّيّة الحربيّة ، وحقّقتم
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 516
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٥١٦