تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
( 1 ) يخبر اللّه عزّ وجلّ أنّ الرسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم نادى ربّه نداء الشّاكي المستغيث ، من أجل رسالته ، لا من أجل نفسه قائلا .
يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً .
أي : يا ربّ إنّ ملأ قومي في مكّة وأتباعهم جعلوا هذا القرآن الذي تنزّله عليّ مهجورا ، لا يتفكّرون فيه ، ولا يتدبّرونه ، ولا يؤمنون به ، ولا يتّبعون ما جاء فيه ، بعد أن بلّغتهم ما أنزلت عليّ منه ، وكرّرت عليهم تلاوته ، وأدركوا بعض ما فيه من حقّ وخير وحكمة وإعجاز . والهجر إنّما يكون بالتّرك والمباعدة بعد اللّقاء والمخالطة ، فهو ضدّ الوصل . وهذه الشّكوى تتضمّن السّؤال عمّا يفعل مع قومه لجعلهم يخالطون القرآن ويتدبّرون آياته ، وتتضمّن الخوف من كونه قد قصّر في أمر ما ، كان يجب عليه أن يفعله ، حتّى لا يتّخذ قومه المعنيّون في الشّكوى القرآن مهجورا . ( 2 ) وكتم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في نفسه أنّ من عناهم من قومه قد وقفوا منه وممّن آمن به واتّبعه موقف العداء ، والاستعداد لقمع الدّعوة والدّاعي إليها ، والذين آمنوا بها بالقوّة المسلّحة . ( 3 ) فبدأ البيان القرآنيّ بمعالجة ما كتمه الرّسول ولم يفصح عنه في شكواه . فأبان اللّه عزّ وجلّ أنّ هذه الظّاهرة هي من سنن اللّه التّكوينيّة في الاجتماع البشري ، وهي إحدى اللّوازم الطّبيعيّة لجعل النّاس في الحياة الدّنيا مخيّرين ، ذوي إرادات حرّة ، لامتحانهم فيما يختارون من خير أو شرّ ، وإحدى الّلوازم الطّبيعيّة لتسخير اللّه الأشياء للنّاس المخيّرين ، حتّى يتحقّق امتحانهم على الوجه الأمثل .