الأهواء ، لذلك فهم منصرفون نفسيّا عن الاستماع لأيّ حديث يتضمّن إخراجهم من عبوديّتهم لأهوائهم ، أمّا عقولهم وأفكارهم وكلّ قدرات الذّكاء فيهم فمشدودة بقوّة لخدمة أهوائهم ، لذلك فهم منصرفون عن إدراك أيّة فكرة تخرجهم من هذه البؤرة المحيطة بهم .
الأمر الثالث : تأكيد أنّ وظيفة الرّسول في الّذين يقوم بدعوتهم إلى الإسلام وظيفة تبليغيّة بيانيّة إقناعيّة ، لا وظيفة تحويليّة .
وإعلام الرسول بأنّ عليه أن يدعهم لما يختارون لأنفسهم من إيمان أو كفر ، فإذا أقاموا دون الإصغاء إلى دعوته حجابا فهذا شأنهم بينهم وبين ربّهم ، وليس هو مسؤولا عن رفضهم الاستجابة لدعوته ، وما عليه إلّا أن يدعهم وما اختاروا لأنفسهم ، ويدع الحكم بشأنهم للّه عزّ وجلّ .
الأمر الرابع : بيان أنّ الّذين كفروا إصرارا وعنادا ، إذ عطّلوا أسماعهم وأبصارهم وعقولهم عن إدراك الحقّ ، وعن النّظر إلى المستقبل البعيد ، بسبب كونهم عبيد أهوائهم المرتبطة بزينة الحياة الدّنيا ، قد نزلوا عن إنسانيّتهم الّتي خلقت في أحسن تقويم ، إلى مستوى المخلوقات الّتي لا تعرف غير شهواتها من الحياة الدّنيا ، ومطالب غرائزها .
إذن : فهم كالأنعام أكلا وشربا ومناما وسفادا ونحو ذلك ، وليس لهم همّ إلّا اتّخاذ الوسائل لتحقيق أكبر استمتاع بمتاع الحياة الدّنيا .
هذا بالنظر إلى التّصرّفات المشهودة بالحواس الظاهرة ، أمّا في الحقيقة فهم أضلّ سبيلا من الأنعام ، لأنّ الأنعام تتصرّف بغرائزها على وفق الفطرة الّتي فطرها اللّه عليها ، إذ لم يهبها اللّه قدرات التّفكير العليا ، ولم يفتح لها نوافذ المعرفة ، ولم يسخّر لها طاقات الكون الكبرى من حولها .
بخلاف الإنسان ، فقد وهبه اللّه كلّ ذلك ، فمن عطّل من النّاس ما
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 510
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٥١٠