وفي هذا اعتراف منهم بقوّة حججه الفكريّة التي كان يحاجّهم بها ، وبرهانات القرآن التي كانوا يسمعونها ، حتّى كادوا يتأثّرون بأقواله وبما جاء في القرآن ، ويهجرون آلهتهم ، وظنّوا أنّ في ذلك ضلالا لهم ، بإبعادهم عن آلهتهم ، فعبّروا عن ذلك بهذه المقالة .
إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا ؛
« إن » هنا في المخفّفة من الثقيلة « إنّ » وهي مؤكّدة لمضمون الجملة ، وتأتي بعدها لام الابتداء ، وتسمّى اللّام الفارقة ، لأنّها تفرق بين « إن » المخفّفة من الثقيلة وبين « إن » النافية .
كلمة
لَوْ لا
هنا هي حرف يدلّ على امتناع جوابه لوجود تاليه ، أي : لولا صبرنا على آلهتنا لقارب محمد ببيانه وحججه إبعادنا عنها ، وإخراجنا إلى الضّلال الّذي هو عليه .
فأوعدهم اللّه عزّ وجلّ بالعاقبة الوخيمة ، ونبّههم على أنّ معركتهم مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومع المؤمنين لم تنته بعد ، بل هي مستمرّة ، وسوف يعلمون حين يرون العذاب في الدنيا الذي يرافقه انتصار الرسول والذين آمنوا معه ، والعذاب في الآخرة ، من هو أضلّ سبيلا ، وأبعد عن صراط الهداية وسبل النجاة للدّنيا وللآخرة ، إنّهم الكافرون باللّه ورسوله لا محالة .
* * *
قول اللّه تعالى :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ( 43 ) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
( 44 ) .
تمهيد :
ممّا كان يعتلج في قلب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في المرحلة التي نزلت فيها