تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
سورة ( الفرقان ) تجاه الذين أصرّوا على الكفر من قومه ، حرصه الشّديد على استجابتهم لدعوته ، رغبة في تحوّلهم عن سبل جهنّم إلى صراط الجنّة ، وإنقاذهم من سوء المصير الذي سيصيرون إليه حتما ، إذا استمرّوا على ما هم عليه من كفر . وربّما يخطر في نفس الرسول صلوات اللّه عليه أنّ رسالته إليهم تحمل أكثر من واجب تبليغهم ونصحهم وإقناعهم بالحقّ وإرشادهم والشّفقة عليهم ، فربّما يتصوّر نفسه أنّه بمثابة الوكيل على قاصرين ، فهو مسؤول عن حمايتهم ورعايتهم ، وكفّ من يعرّض نفسه منهم للأذى أو الضرّ أو الهلاك ، بكلّ ما يستطيع من قوّة ، ولو بالقهر والإلزام ، وهذا أمر لم يجد سبيلا إليه ، فهو لذلك يحمل همّ الشّعور بالتّقصير في القيام بواجبات رسالته التّي أرسله اللّه بها . فاقتضى البيان الرّبانيّ في هذا الدّرس الذي اشتمل على عدّة عناصر علاجيّة للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولكلّ الدّعاة إلى الإسلام من بعده ، أن يكون ضمن هذه العناصر التّخفيف عن نفس الرسول بأربعة أمور : الأمر الأول : بيان أنّه ليس مسؤولا عن تحويلهم إلى صراط اللّه ، لأنّه ليس وكيلا عليهم ، وإنّما هو مبلّغ معلّم ناصح مرشد ، يجتهد في إقناعهم بالحقّ على مقدار الاستطاعة ، ثمّ إنّهم هم المسؤولون مسؤوليّة شخصيّة عن اختيار طريق سعادتهم ، والتحوّل عن سبيل شقائهم ، فإن لم يفعلوا استحقّوا المؤاخذة والعقاب . الأمر الثاني : بيان علّتهم النفسيّة الّتي تجعلهم يصدّون ابتداء عن الاستجابة لدعوة الرّسول الرشيدة ، وعن الاستماع الواعي إلى القرآن ، وتدبّر ما جاء فيه ، حتّى كان فيهم مهجورا . إنّ علتهم النفسيّة هي أنّهم عبيد أهوائهم ، فحواسّهم مسخرة لهذه