يضطهدونهم ، ويدبّرون ما يدبّرون للتخلّص منهم ، في الدنيا والآخرة أيضا ، دون أن يذكر بالعبارة الصريحة ما يعدّونه ضدّ الرّسول والمؤمنين معه ، من وسائل كيديّة اضطهاديّة بالقوّة المادّيّة للإجهاز عليهم ، لتعليمنا ما يجب علينا من كتمان ما نعلمه ممّا يدبّره أعداؤنا ضدّنا ، حتى نحكم الخطط والتدبيرات المضادّة السّرّية .
بعد ذلك ذكر اللّه عزّ وجلّ بالعبارة الصريحة ما يجاهرون به من اتّخاذ الرّسول هزوا ، قائلين بأسلوب احتقار قوّته وازدرائها : أهذا الذي بعث اللّه رسولا ؟ !
أي : أهذا الذي بعثه اللّه إلينا ، حالة كونه رسولا ، أو متّخذا إيّاه رسولا ، وهو لا ينصره ولا يؤيّده ، ولا يعطيه قوّة التغلّب على من يضطهده ويضطهد أتباعه المؤمنين به ، ولا يهديه إلى السّبل التي ينجي بها نفسه والذين آمنوا معه ! ؟
الاستفهام في عبارتهم :
أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
استفهام إنكاري فيه معنى الاحتقار والازدراء ، أي : فهو ليس نبيا ولا رسولا ما دام ربّه لا ينصره .
فالظاهر من اتّخاذ الكافرين الرّسول هزوا في هذه المرحلة التي نزلت خلالها سورة ( الفرقان ) من مراحل دعوته في مكة ، هو استهزاؤهم من عدم قدرته على مقاومة اضطهادهم له وللذين آمنوا معه ، وعدم قدرته على مدافعة إيذائهم له ولمن آمن به ولعشيرته ، كالحصار الاقتصادي الذي آذوهم به .
والمعنى : كيف يكون رسولا للّه كما يدّعي وهو لا يجد من ربّه نصرة تجعله يتفوّق بها على أعدائه ، ولا يهديه إلى سبيل يسلكه لإنقاذ أتباعه ؟ !