وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
( 106 ) .
فرقناه : أي : جزّأناه ، وفصّلناه ، وبيّنّاه ، وأصل معنى الفرق الفصل بين الشيئين أو الأشياء ، وتمييز بعضها عن بعض ، وأوضح صور هذا الفصل والتّمييز أن ينزّل الكتاب على مراحل زمنيّة متفاصلة متباعدة .
على مكث : أي : على تمهّل ، وتوقّف وانتظار ، ريثما تثبت معرفة القسم المنزّل .
يقال لغة : مكث بالمكان يمكث مكثا ومكثا ومكوثا ، إذا توقف وانتظر .
ونزّلناه تنزيلا : أي : ونزّلناه تنزيلا بأناة وتمهّل وتحقيق مع كلّ قسم ينزّل منه ، فالتأكيد بالمفعول المطلق للإشارة إلى نوع التنزيل .
الحكمة الثالثة : ما تضمّنه قول اللّه عزّ وجلّ :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
( 33 ) .
أي : من حكم تنزيل القرآن منجّما مفرّقا متابعة جدليّات الّذين كفروا فيما يقدّمونه من أمثلة يصطنعونها بآرائهم ، ويقترحونها ، ويرون أنّها هي الصّور الأفضل التي ينبغي أن يكون عليها حال الرّسول ، أو حال القرآن ، أو حال أحكام الشريعة والمنهاج .
فبهذه المتابعة يقدّم اللّه في النصّ اللّاحق ما يكشف به وجه الحقّ ، لمن يطلب الحقّ بصدق ، إذا كان ما اقترحه الكافرون من الأمور الباطلة ، ويقدّم في النصّ اللّاحق ما يتضمّن تفسير وجه الحكمة للطّريقة الرّبّانيّة المختارة ، إذا كان ما اقترحه الكافرون إحدى الصّور الممكنة غير المرفوضة عقلا ، لكنّ الاختيار الرّبّانيّ قد كان هو الأفضل والأحسن والأحكم ، فيكون تفسير ما جاء من عند اللّه في كلّ ذلك لملاءمة الأفضل والأحسن والأحكم ، أحسن من تفسير ما اقترحوه .