تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يتعرّض دواما من قبل كفّار قومه لأحداث غير سارّة تقلق وتزعج أفئدة عظماء الرّجال ، فإذا وجد نفسه على صلة بالوحي من آن الآخر ، لم تزعجه ولم تقلقه الأحداث ، لأنّه يشعر بأنّ الرّبّ الجليل الذي أرسله ، وأنزل عليه جبريل بالوحي ، لم يتركه لنفسه يؤدّي وظائف رسالته ، بل هو على صلة به ، ينزّل عليه الآيات القرآنيّة تباعا ، ويعالج الأحداث التي يتعرّض لها تباعا ، ويقدّم له الوصايا والتعليمات الهاديات له في مسيرته ، وهو يقوم بوظائف رسالته ، ويشعر أيضا بأنّه مدعوم بقوّة عظيمة من الغيب ، تتابعه في كلّ صغيرة وكبيرة . ولهذا الأمر شأن عظيم جدّا في تثبيت فؤاده ، ليقوم بجلائل الأمور ، ضمن قوم يخشى أن يتألّبوا عليه ، ويمنعوه بالقوّة من متابعة تأدية وظائف رسالته . إنّ فؤاد حامل رسالة عظيمة ، في قوم هم أعداء لها ، ويتربّصون به الدّوائر ، يتعرّض للقلق والاضطراب والانفعالات المزعجة بين حين وآخر ، فهو بحاجة ماسّة إلىّ ما يثبّته . وأعظم سبب للتّثبيت أن تكون الجهة القويّة العظيمة الّتي أرسلته ذات صلة به من حين لآخر ، كلّما بدأت لديه حركات القلق والاضطراب . الحكمة الثانية : ما تضمّنه قول اللّه عزّ وجلّ :
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا .
التّرتيل ؛ هو التمهّل والتأنّي في الكلام ، والتبيين له للتمكين والتّحقيق ، وبناء المعرفة في المتلقّين بناء تكامليّا ، وذلك لا يحصل بإنزاله جملة واحدة ، بل يحصل بإنزاله في دروس تعليميّة قسما بعد قسم ، مع الاستفادة من الأحداث والمناسبات . وقد جاء شرح هذه الحكمة في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الإسراء / 17 مصحف / 50 نزول ) :