تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
لكنّ المشبّه به مطويّ سكت عنه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، اهتماما بقضيّة الدين ، وكتما للقضيّة الشخصيّة ، على الرغم من أنّ هذا الذي كتمه يعيشه في أحاسيسه ، ويتردّد في خاطره ونفسه ، فإذا أردنا نشر هذا المطويّ قلنا : وقال الرسول : يا ربّ إنّ قومي اتّخذوا هذا القرآن مهجورا ، واتّخذوني ومن آمن بي أعداء ، فهم يتهيّؤون لقمعي والتخلّص منّي ومن أتباعي . وبما أنّ الرسول قد سكت عن الأمر الثاني الشّخصيّ ، وأبعده عن مقالة اللّسان ، كان من دقّة الأداء في البيان الإشارة إليه باسم الإشارة الموضوع للبعيد
وَكَذلِكَ
أي : وكذلك الّذي طويته وأبعدته عن بيانك في مقالك جعلنا لكلّ نبيّ عدوّا من المجرمين . والمعنى : أنّك لست أوّل نبيّ عاداه قومه ، وأرادوا قتله والتخلّص من الّذين آمنوا به واتّبعوه ، بل كلّ نبيّ قبلك واجه مثل هذا الأمر من قومه ، فتحمّل كما تحمّلوا ، واصبر كما صبروا . ولم يقتصر النصّ على بيان الأسوة الحسنة من جميع الأنبياء السّابقين ، توجيها للصّبر وتحمّل المشقّات ، بل ألمح إلماحا يفهمه اللّبيب إلى قضيّتين : القضية الأولى : وجوب اتّخاذ الوسائل السّببيّة المضادّة الّتي تمنع العدوّ من تحقيق أهدافه ، ومعلوم أنّ اتّخاذ هذه الوسائل السّببيّة يحتاج تفكيرا وتدبيرا وإعدادا عمليّا ، وليست هي من الأمور الجاهزة دواما ، والموجودة عند إرادة الاستعمال ، بل التوصّل إليها لا يكون إلّا بالاهتداء إلى إدراكها فكريا ، ثمّ الاهتداء إلى طرق الحصول عليها عمليا ، حتّى تكون معدّة جاهزة للاستعمال ، وعندئذ يمكن مواجهة العدوّ بها ، لإلقاء الرّعب في قلبه ، ومنعه من تحقيق أهدافه ، فإذا أراد المواجهة بالقوّة كانت الوسائل السببيّة جاهزة لمواجهته بالقوّة المكافئة .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 482 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني