مَهْجُوراً :
اسم مفعول من « هجر الشيء » إذا تركه وتباعد عنه ، ومعلوم أنّ المتباعد عن الشّيء الهاجر له لا يبحث عنه ، ولا ينظر إليه ، فإذا كان المهجور كتابا يتلى فإنّ الهاجر لا يخطر على باله أن يفكّر فيما جاء فيه من علم أو بيانات أو مواعظ أو أوامر ونواهي ، ولو تلي عليه ، والهجر ضدّ الوصل ففيه معنى التباعد والترك بعد اللّقاء والمخالطة .
فدلت عبارة :
وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً
( 30 ) على أنّ الرّسول يشكو لربّه من تولّي الذين كفروا من كبراء قومه في مكّة عن متابعة التفكّر في القرآن لتدبّر وتفهّم آياته ، حتى جعلوه مهجورا بعد أن استمعوا ابتداء له وعرفوا ما فيه من إعجاز ، هذا ما يفيده معنى الهجر ، إذ الهجر إنّما يكون بعد اللّقاء والمخالطة .
هكذا شكى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم شكوى تتعلّق بهجر كفّار قومه للقرآن ، وسكت عمّا يتعلّق بشخصه من معاداتهم له ولمن آمن به واتّبعه .
فكانت المعالجة الرّبّانيّة لهذه الشّكوى في التّعقيب القرآني بأن تجاوز البيان قضيّة اتّخاذ قومه القرآن مهجورا ، واهتمّ مباشرة بما سكت عنه الرسول ممّا يتعلّق بمعاداة قومه لشخصه وللّذين آمنوا به واتّبعوه ، وأخّر الحديث عن قضيّة الشكوى إلى آخر الفقرة ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً
( 31 ) .
[ وكذلك ] : نتساءل : ما هو المشار إليه ؟ وما هو المشبّه به ؟
لو كان المشار إليه اتّخاذ قوم الرسول القرآن مهجورا لكان المناسب أن يشار إليه باسم الإشارة الموضوع للقريب ، لا للبعيد ، إذن فهو شيء آخر غير المذكور في اللّفظ ، فما هو ؟
بالتدبّر يظهر لنا أنّ المشبّه به في
وَكَذلِكَ
ينبغي أن يكون من نوع المشبّه بعدها ، وهو أنّ لكلّ نبيّ سبق في تاريخ البشريّة عدوّا من المجرمين .