فكلّ ظالم بلغه كتاب اللّه يعترف يوم الدّين بأن الذّكر قد جاءه ، فانصرف عنه معرضا ، ومتولّيا ، فضلّ في طرق الغواية .
الأمنية الثالثة : أمنيّة مطويّة في النصّ غير مذكورة ، وباستطاعة المتأمّل المتدبّر أن يستخرجها استنباطا .
إنّه يقول فيها : يا ليتني لم أتّبع وساوس الشيطان وتسويلاته ، ولم أسلك سبله .
وشيطانه فيما يظهر هو قرينه من الجنّ الّذي كان يوسوس له ، ويجري منه مجرى الدّم ، وخليله من الإنس هو الّذي وسوس له واشترك معه في الضلال .
بعد هذا التّمنّي يخاطب خليله الشّيطان من الإنس أو الجن ، فيقول له : أنت الّذي أغويتني فأطغيتني ، فأنقذني اليوم ، ويشكوه لربّه فيقول : ربّ هذا الّذي أغواني فأطغاني ، فزده عذابا ضعفا في النّار ، فيتبرّأ منه خليله من الإنس .
ويقول قرينه من الجنّ ، كما جاء في سورة ( ق / 50 مصحف / 34 نزول ) :
. . . رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ
( 27 ) .
فيقول اللّه عزّ وجلّ كما جاء أيضا في سورة ( ق ) :
قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ( 28 ) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
( 29 ) .
وهكذا لا يكون من الشّيطان إلّا الخذلان ، إنّه لا يريد أن يتحمّل من مسؤوليّة تحريضه على الطّغيان شيئا ، ويحاول أن يتبرّأ منه ، وهي طريقته الّتي أبانها اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الحشر / 59 مصحف / 101 نزول ) :