الّذي كان منه ، وآزره عليه ، وربّما شجّعه ، وربّما دفعه إليه ، فإنّه يحاول أن يلقي عليه تبعة إضلاله له ، ليخفّف من مسؤوليّة نفسه ، فيتمنّى لو لم يكن في الدّنيا خليلا له ، مقدّرا في نفسه أنّه لو لم يكن خليله لما ضلّ عن الذّكر الرّبّاني الّذي جاء به الرّسول ، فيقول :
لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا
( 28 ) .
ولفظ « فلان » كناية عن علم مذكّر عاقل ، ومؤنّثه فلانة .
والخليل : الصّديق الّذي تخلّلت مودّته قلب صديقه ، حتّى صار مداخلا مخالطا يطّلع على بواطنه وأسراره .
فهو في تمنّيه يذكر اسم خليله الّذي كان مشاركا له في ضلاله ، ونفهم من هذا أنّ كلّا من الخليلين يتمنّى هذا التّمنّي .
ويذكر بعد هذا التمنّي أنّ خليله قد كان هو السّبب في إضلاله ، فيقول :
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي .
فيؤكّد أنّ خليله الّذي سمّاه هو الّذي أضلّه عن الذّكر ، الذي هو كتاب اللّه المنزّل وما جاء فيه من هدى ، ثم بيانات الرّسول له .
أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ :
أي : أضلّنى في طرق الغواية ، مبعدا إياي عن كتاب اللّه الّذي يجب أن يكون ذكرا دواما للعمل بما جاء به .
بَعْدَ إِذْ جاءَنِي :
« بعد » ظرف منصوب على الظّرفيّة مضاف ل « إذ » التي هي ظرف للزّمن الماضي ، وهي مضافة لجملة « جاءني » والمعنى بعد زمن مجيئه إليّ .
إنّ كلّ من بلغه الذّكر عن ربّه على لسان الرّسول أو عن طريق المبلّغين لكتاب اللّه وسنّة رسوله من بعده ، فقد جاءه الذكر .